أصدر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك تحذيراً صارخاً بشأن الصراع المتصاعد بين روسيا وأوكرانيا، معرباً عن قلقه العميق إزاء ارتفاع الخسائر في صفوف المدنيين وزيادة كثافة العمليات العسكرية على الجانبين. ومع استمرار تصاعد الأعمال العدائية، دعا تورك إلى ضبط النفس الفوري والعودة إلى المفاوضات والالتزام بشكل أقوى بالقانون الإنساني الدولي لمنع المزيد من المعاناة بين السكان المدنيين.
ويأتي هذا النداء وسط تجدد التهديدات بالعمل العسكري الموسع وزيادة كبيرة في الهجمات التي تؤثر على المناطق المأهولة بالسكان. ووفقاً لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فقد شهدت الأشهر الأولى من عام 2026 ارتفاعاً كبيراً في الوفيات والإصابات بين المدنيين مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مما يسلط الضوء على التكلفة البشرية المتزايدة للحرب الطويلة.
حصيلة الضحايا المدنيين مستمرة في الارتفاع
وتشير البيانات التي جمعتها الأمم المتحدة إلى أن الصراع أصبح مميتاً على نحو متزايد بالنسبة للمدنيين.
بين يناير وأبريل 2026، بلغ إجمالي قُتل 815 مدنياً وأصيب 4174 آخرون في أوكرانيا. خلال نفس الفترة من عام 2025م. قُتل 682 مدنياً وجُرح 3453 آخرينمما يعني أن الضحايا المدنيين قد زادوا بنحو 21 بالمائة على أساس سنوي.
وقعت غالبية هذه الضحايا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الأوكرانية، حيث تسببت الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار والهجمات الجوية المتكررة في أضرار جسيمة للأحياء السكنية والبنية التحتية العامة والمرافق المدنية.
ويحذر مراقبو حقوق الإنسان من أن ارتفاع أعداد الضحايا يعكس الكثافة المتزايدة للعمليات العسكرية والضعف المتزايد للمدنيين العالقين في الصراع.
هجوم مميت على مبنى سكني في كييف
ومن بين أكثر الحوادث المدمرة التي استشهدت بها الأمم المتحدة الهجوم واسع النطاق الذي نُفذ في الفترة من 13 إلى 14 مايو/أيار والذي أصاب مبنى سكنيًا متعدد الطوابق في كييف.
الهجوم قتل 24 مدنيا وإصابة العشرات، بحسب التقارير المتوفرة. تسببت الغارة في دمار كبير وزادت من المخاوف بين سكان العاصمة الأوكرانية، التي واجهت هجمات جوية متكررة طوال النزاع.
لقد أصبحت المناطق السكنية المدنية بشكل متزايد مواقع للمأساة حيث تؤثر الهجمات على المراكز الحضرية المكتظة بالسكان. وتواصل المنظمات الإنسانية التأكيد على ضرورة حماية البنية التحتية المدنية بموجب القانون الدولي.
وقد أدى تدمير المنازل والمدارس ومرافق الرعاية الصحية والخدمات الأساسية إلى تفاقم العواقب الإنسانية للحرب وتعطيل حياة الملايين من الناس.
تسليط الضوء على التزامات القانون الإنساني الدولي
وشدد المفوض السامي للأمم المتحدة في بيانه على أن القانون الدولي الإنساني يفرض التزامات قانونية واضحة على جميع الأطراف المشاركة في النزاعات المسلحة.
تتطلب هذه الالتزامات من القوات العسكرية اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين وتجنب الهجمات التي يمكن أن تؤثر بشكل غير متناسب على غير المقاتلين.
ويشير خبراء حقوق الإنسان إلى أن حماية المدنيين هي أحد المبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة. يمكن أن تؤدي انتهاكات هذه المبادئ إلى عواقب قانونية خطيرة وقد تخضع للتدقيق والتحقيق الدولي.
وشدد تورك على أن الالتزام بهذه القواعد ليس اختياريًا، بل مسؤولية ملزمة لجميع الأطراف المشاركة في العمليات العسكرية.
كما تم الإبلاغ عن وقوع إصابات في صفوف المدنيين في المناطق المحتلة
كما أعربت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقها إزاء الهجوم الكبير الذي نفذته القوات المسلحة الأوكرانية في الأراضي المحتلة.
وبحسب المعلومات التي اطلعت عليها الأمم المتحدة، فقد تم إنشاء مجمع تعليمي في ستاروبيلسك، الواقعة في الأراضي الخاضعة للاحتلال الروسي، خلال هجوم وقع في 21-22 مايو.
أفادت السلطات الروسية بذلك قُتل 21 شخصًا وجُرح 44. وبعد تقييم المعلومات المتاحة للجمهور، خلص محققو الأمم المتحدة إلى أن المرافق التعليمية كانت تعمل وقت الهجوم وأن المدنيين، بما في ذلك الطلاب، كانوا من بين القتلى والجرحى.
وتشير التقارير إلى ذلك وكان 18 من القتلى من النساءمما يؤكد التأثير الخطير للحادث على المدنيين.
وقد لفت الهجوم الانتباه إلى المخاطر المتزايدة التي يواجهها المدنيون الذين يعيشون في المناطق المتضررة من النزاع على جانبي خطوط المواجهة.
مخاوف بشأن التهديدات بهجمات موسعة
كما أعربت المفوضة السامية عن انزعاجها إزاء تصريحات المسؤولين الروس التي تشير إلى إمكانية تكثيف العمليات العسكرية التي تستهدف كييف.
وأثارت مثل هذه التهديدات مخاوف من وقوع المزيد من الضحايا بين المدنيين وزيادة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في واحدة من أكثر المناطق الحضرية اكتظاظا بالسكان في أوكرانيا.
وقد حذرت منظمات حقوق الإنسان مراراً وتكراراً من أن التصعيد قد يؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني القاسي بالفعل ويشكل ضغطاً أكبر على خدمات الطوارئ وأنظمة الرعاية الصحية والسكان المدنيين.
وتواصل الأمم المتحدة الدعوة إلى اتخاذ تدابير تقلل من خطر إلحاق الضرر بالمدنيين وتهيئ الظروف المواتية للحوار ووقف التصعيد.
يمتد تأثير الصراع إلى ما هو أبعد من أوكرانيا
وبينما تركز الكثير من الاهتمام على معاناة المدنيين داخل أوكرانيا، اعترفت الأمم المتحدة أيضًا بأن الهجمات التي شنتها القوات الأوكرانية أدت إلى سقوط ضحايا من المدنيين داخل الاتحاد الروسي.
أدت الهجمات عبر الحدود إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين في المناطق الروسية المتضررة من النزاع، مما يدل على الطبيعة المتزايدة التعقيد والبعيدة المدى للحرب.
وأدانت المفوضة السامية جميع الهجمات التي تؤدي إلى إلحاق الأذى بالمدنيين، بغض النظر عن مكان حدوثها، وأكدت من جديد أنه لا يجوز أبدًا معاملة المدنيين كأهداف.
يؤكد خبراء حقوق الإنسان على أن حماية السكان المدنيين تظل التزامًا عالميًا ينطبق على جميع الأطراف المشاركة في الأعمال العدائية.
دعوة لإجراء تحقيقات مستقلة
وحث تورك السلطات الروسية والأوكرانية على إجراء تحقيقات سريعة ومحايدة وفعالة في الحوادث التي أدت إلى سقوط ضحايا من المدنيين.
تعتبر التحقيقات المستقلة ضرورية لإثبات الحقائق وتحديد المسؤولية وضمان المساءلة حيثما وقعت انتهاكات.
وقد دعت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان باستمرار إلى الشفافية والمساءلة طوال فترة النزاع، معتبرة أن التحقيقات الموثوقة تساعد في ردع الانتهاكات المستقبلية وتعزيز احترام القانون الدولي.
ويظل ضمان العدالة للضحايا وأسرهم عنصرا حاسما في الجهود الأوسع نطاقا لحماية حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة.
العاملون في المجال الإنساني يتعرضون للتهديد أيضًا
بالإضافة إلى ذلك، أدان المفوض السامي الهجمات الأخيرة المنسوبة إلى الاتحاد الروسي والتي أثرت على العاملين في المجال الإنساني وعمليات المساعدة.
يلعب العاملون في المجال الإنساني دورًا حيويًا في تقديم الغذاء والرعاية الطبية والمأوى والمساعدة الطارئة للسكان المتضررين من النزاع. يمكن أن تؤدي الهجمات على عمال الإغاثة أو البنية التحتية الإنسانية إلى تعطيل جهود الإغاثة بشدة وتعريض المجتمعات الضعيفة لخطر أكبر.
يوفر القانون الإنساني الدولي حماية محددة للعاملين في المجال الإنساني، الذين يجب السماح لهم بأداء عملهم بأمان ودون تدخل.
وقد سلطت المنظمات الإنسانية العاملة في أوكرانيا الضوء مراراً وتكراراً على التحديات التي تواجهها في الوصول إلى السكان المتضررين وسط استمرار انعدام الأمن.
تجدد الدفع للمفاوضات
ووسط المخاوف المتزايدة بشأن المزيد من التصعيد، جدد تورك دعواته للمشاركة الدبلوماسية والحوار.
وقد أكدت الأمم المتحدة باستمرار أن الحل التفاوضي يظل هو الطريق الأكثر فعالية لإنهاء الصراع والحد من المعاناة الإنسانية. وبينما لا تزال التوترات السياسية والعسكرية مرتفعة، يواصل المسؤولون الدوليون التأكيد على أهمية متابعة فرص التوصل إلى حل سلمي.
وشدد المفوض السامي على أن التصعيد المستمر لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة الإنسانية وزيادة الخسائر في صفوف المدنيين الذين يعانون بالفعل من سنوات من الصراع.
ويعكس نداءه مخاوف أوسع نطاقا داخل المجتمع الدولي بشأن المخاطر المرتبطة بالحرب الطويلة الأمد والحاجة الملحة إلى إعطاء الأولوية للأرواح البشرية على الأهداف العسكرية.
التكلفة البشرية تبقى في قلب الأزمة
بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على دخول النزاع مرحلة جديدة ومدمرة، لا تزال الحرب تلحق خسائر فادحة بالمدنيين في جميع أنحاء المنطقة.
لقد فقدت الأسر أحباءها، ونزحت المجتمعات المحلية، ودُمرت المنازل والبنية التحتية، ولا يزال الملايين يواجهون حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلهم.
إن أرقام الضحايا المتزايدة المبلغ عنها في عام 2026 هي بمثابة تذكير بأن وراء كل إحصائية هناك أفراد وأسر تغيرت حياتهم بشكل دائم بسبب العنف.
ومع اشتداد القتال وتزايد المخاوف بشأن المزيد من التصعيد، تظل رسالة الأمم المتحدة واضحة: حماية المدنيين واحترام القانون الدولي والسعي إلى الحوار هي خطوات أساسية نحو منع المزيد من المعاناة.




