Home عربي أنا باكستاني. السعودية علمتني اللغة الأردية

أنا باكستاني. السعودية علمتني اللغة الأردية

18
0

أنا باكستاني. السعودية علمتني اللغة الأردية

لم أتعلم اللغة الأردية في باكستان. تعلمته في المدينة المنورة.

قد يبدو الأمر غير محتمل، لكنه يفسر تمامًا علاقتي باللغة الأردية. لقد نشأت في منزل كانت فيه اللغة العربية هي لغة الحياة اليومية، بينما كانت البنجابية هي لغة عائلتنا. وجدت اللغة الأوردية طريقها إلى منزلنا لا من خلال المدرسة ولا من خلال الكتب المدرسية. وكانت تصل كل صباح على شكل صحيفة سعودية، Urdu News.

كانت والدتي تجلس بجانبي، وتساعدني بصبر على قراءة كلمة واحدة في كل مرة. قبل وقت طويل من أن تصبح اللغة الأردية جزءًا من مسيرتي المهنية في الصحافة والبحث، أصبحت بالفعل جزءًا من هويتي.

ومن دون أن أدرك ذلك، كنت أكتشف واحدة من أقوى أدوات فن الحكم: احترام الناس من خلال لغتهم.

د.طلحة الكشميري Â

في ذلك الوقت، اعتقدت أن والدتي كانت تعلمني لغة وطني فحسب. ومن دون أن أدرك ذلك، كنت أكتشف واحدة من أقوى أدوات فن الحكم: احترام الناس من خلال لغتهم.

يرى الكثير من الناس أن اللغة ليست أكثر من مجرد وسيلة اتصال. إن الدول التي تسعى إلى التأثير الدائم ترى الأمر بشكل مختلف: فاللغة تبني الثقة وتعمق التفاهم وتقوي العلاقات بين المجتمعات. الجغرافيا تحدد الحدود. اللغة تصل إلى الناس.

ولهذا السبب لا ينبغي النظر إلى التزام المملكة العربية السعودية باللغة الأردية على أنه مجرد مبادرة لمجتمع المغتربين المقيمين. أدركت المملكة في وقت مبكر أن التحدث إلى ملايين المسلمين بلغتهم الخاصة هو جزء من مهمتها الأوسع، حيث أن موطن الحرمين الشريفين في الإسلام يتحمل مسؤولية التواصل مع العالم الإسلامي الأوسع خارج اللغة العربية، حتى مع أن اللغة العربية تظل لغة القرآن نفسه.

بالنسبة لي، لم تكن Urdu News مجرد الصحيفة التي تعلمت اللغة من خلالها. لقد عكست حقيقة بسيطة: إن الجسور الهادفة بين الأمم يتم بناؤها من خلال التحدث إلى الناس باللغة الأقرب إلى قلوبهم. كانت المملكة العربية السعودية تمارس الدبلوماسية العامة قبل فترة طويلة من ظهور هذا المصطلح، حيث كانت تتحدث مباشرة إلى ملايين القراء وتسمح لهم بمتابعة تحول المملكة من خلال صوتها.

واليوم، أصبحت هذه الرؤية مهمة أكثر من أي وقت مضى. لقد أصبحت اللغة جزءًا أساسيًا من كيفية تشكيل الدول لصورتها وكسب ثقة الجمهور وبناء تأثير دائم. إن أولئك الذين يتحدثون إلى الناس بلغتهم الخاصة لديهم فرصة أفضل بكثير لأن يتم فهمهم كما ينوون، وليس من خلال تفسير شخص آخر.

منذ القرن التاسع عشر، كانت اللغة الأردية بمثابة لغة موحدة للمسلمين في جميع أنحاء شبه القارة الهندية، وتمتد إلى ما هو أبعد من الشعر والأدب إلى تقليد فكري غني من تفسير القرآن والحديث والفقه الإسلامي. وتظل إحدى اللغات الرائدة في العلوم الإسلامية ووسيلة للتبادل الثقافي بين مئات الملايين من المسلمين، الذين يمثلون بالنسبة لهم أيضًا اللغة التي يحافظون من خلالها على الهوية ويتابعون التطورات في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

وهي أيضًا اللغة الوطنية لأحد أقرب الشركاء الاستراتيجيين للمملكة العربية السعودية، وهي الدولة التي بنت المملكة معها عقودًا من التعاون في السياسة والاقتصاد والدفاع والتنمية والعمل الإنساني. الاستثمار في اللغة الأردية، إذن، ليس مجرد خدمة للمتحدثين بها. وهو استثمار في المصالح الاستراتيجية طويلة المدى للمملكة العربية السعودية.

مع تقدم المملكة في رؤية 2030، فإنها تقدم نفسها للعالم بطرق جديدة: ليس فقط كمنتج رائد للطاقة وقوة اقتصادية، ولكن أيضًا كوجهة عالمية للاستثمار والسياحة والابتكار والشراكات الدولية. لا يمكن توصيل تحول بهذا الحجم من خلال لغة واحدة. ويجب أن يتم مشاركتها بلغات الأشخاص الذين تأمل المملكة في الوصول إليهم.

ولا يوجد مكان يتجلى فيه هذا أكثر مما هو عليه في الحرمين الشريفين. في كل عام، يسافر ملايين الحجاج إلى المملكة العربية السعودية، والعديد منهم من المجتمعات الناطقة باللغة الأردية، ويحتاجون إلى أكثر من مجرد تعليمات مترجمة. إنهم بحاجة إلى التوجيه بلغة توفر الطمأنينة والشعور الحقيقي بالانتماء. إن توسع المملكة المستمر في الخدمات متعددة اللغات هناك، بما في ذلك اللغة الأردية، يجب أن يُفهم على أنه أكثر من مجرد مبادرة للترجمة. إنه يعكس التزامًا دائمًا بخدمة الإسلام والمسلمين، حيث تصبح اللغة مصدرًا للثقة والاندماج.

تمتد أهمية اللغة الأردية إلى ما هو أبعد من التواصل الديني أيضًا. إن العلاقات السعودية الباكستانية تدخل مرحلة جديدة، مع تزايد التعاون في مجالات الاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والتعليم والتنمية الاقتصادية، وتتطلب شراكة بهذا العمق أشخاصاً لا يفهمون لغة بعضهم البعض فحسب، بل يفهمون أيضاً مجتمع بعضهم البعض.

وأي شخص يتابع باكستان من خلال اللغة الإنجليزية فقط يكتسب رؤية قيمة لمؤسساتها ونخبتها السياسية. أولئك الذين يفهمون باكستان من خلال الأردية يكتسبون شيئًا مختلفًا: الوصول إلى نبض المجتمع وصحفه وأدبه وحياته الفكرية المتطورة. هذه ليست مجرد ميزة أكاديمية. فهو يوفر أساسًا أقوى لسياسة أفضل وفهمًا أعمق لحليف استراتيجي مهم.

نفس المبدأ يعمل في كلا الاتجاهين. وكما تستفيد المملكة العربية السعودية من الاستثمار باللغة الأردية، يتعين على باكستان أن تستمر في الاستثمار باللغة العربية. إن الشراكات القوية والدائمة لا يمكن أن تعتمد على تعلم طرف واحد فقط لغة الطرف الآخر.

ويصبح هذا أكثر أهمية حيث يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل مستقبل الاتصالات. وستكون اللغات التي تستثمر في المحتوى الرقمي وتقنيات اللغة مجهزة بشكل أفضل للحفاظ على تراثها الثقافي وحماية رواياتها للأجيال القادمة. والآن لدى المملكة العربية السعودية وباكستان فرصة لتعميق التعاون في مجال تكنولوجيات اللغتين العربية والأردية ومنصات المعرفة، مع فوائد تمتد إلى ما هو أبعد من البلدين إلى العالم الإسلامي الأوسع.

وبعد كل هذه السنوات، لا أزال أتخيل والدتي وهي تضع الأخبار الأردية بين يدي في منزلنا بالمدينة المنورة، وتشجعني على قراءة كلمة تلو الأخرى. اعتقدت حينها أنني كنت أتعلم ببساطة لغة وطني. أفهم الآن أنها كانت تعلمني شيئًا أعظم: أن الأمم التي تسعى إلى البقاء قريبة من قلوب الناس لا تبدأ بالترجمة. يبدأون بالاحترام.


يكتب الدكتور طلحة الكشميري مقالات تحليلية حول الجغرافيا السياسية، والعلاقات الباكستانية العربية، وشؤون جنوب آسيا. لديه صلة قوية باللغة الأردية والعربية وآدابها. قام بالتغريد على @DrAlkashmiri

Â

إخلاء المسؤولية: الآراء التي عبر عنها الكتاب في هذا القسم خاصة بهم ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر عرب نيوز