Home عربي وراء الشمس والرياح، المملكة العربية السعودية تستثمر في “الطاقة المخزنة”

وراء الشمس والرياح، المملكة العربية السعودية تستثمر في “الطاقة المخزنة”

14
0

مع قيام مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بإعادة تشكيل مشهد الطاقة في المملكة العربية السعودية، بدأت تتشكل سوق جديدة تركز على تخزين الكهرباء. ومع توسع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، تظهر البطاريات كعنصر حاسم في النظام، حيث تقوم بتخزين الكهرباء عندما تكون متاحة وتغذيها مرة أخرى إلى الشبكة عندما يرتفع الطلب.

ولا يقتصر هذا التحول على إضافة تقنية جديدة إلى قطاع الطاقة. وتقوم تدريجياً بإنشاء نشاط استثماري مستقل تتطور فيه البطاريات من حل داعم لمشاريع الطاقة المتجددة إلى جزء من البنية التحتية اللازمة لإدارة الكهرباء وتعزيز مرونة الشبكة وموثوقيتها.

وتخطو السعودية خطوة أخرى في هذا الاتجاه مع توقيع الشركة السعودية لشراء الطاقة على أربع اتفاقيات لمشاريع مستقلة لتخزين طاقة البطاريات، بقدرة إجمالية تبلغ 2000 ميجاوات لمدة أربع ساعات، وباستثمارات تتجاوز 4.35 مليار ريال (1.16 مليار دولار). وتم توقيع الاتفاقيات بحضور الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية رئيس مجلس إدارة الشركة.

أربعة مشاريع تشكل سوق التخزين

وتضم المجموعة الأولى ثلاثة مشاريع تم توقيعها مع ائتلاف يضم الشركة السعودية للطاقة، وأكوا باور، وشركة الشريف للمقاولات والتنمية التجارية. والمشروعان هما المويه وهدن بمنطقة مكة المكرمة، والكهفة بمنطقة حائل، بقدرة 500 ميجاوات لكل منهما لمدة أربع ساعات.

وتضم المجموعة أيضًا مشروع الخشيبي بمنطقة القصيم بنفس القدرة. وتم توقيع اتفاقيتها مع كونسورتيوم يضم شركة إنجي وشركة الحاج عبد الله علي رضا وشركاه المحدودة.

وتأتي هذه المشاريع ضمن المجموعة الأولى من مشاريع تخزين الطاقة التي يجري تطويرها وفق نموذج البناء والتملك والتشغيل، وذلك ضمن جهود قطاع الطاقة لتعزيز موثوقية وكفاءة توليد الكهرباء في المملكة العربية السعودية.

“التخزين” يقوي الطاقة المتجددة

وفي تحليل للمشروع، قال الدكتور محمد الصبان، مستشار كبير سابق لوزير النفط السعودي، لـ«الشرق الأوسط» إن هذا التوجه يلبي احتياجات قطاع الطاقة للمرحلة المقبلة، وسط التوسع السريع في مصادر الطاقة المتجددة.

وأوضح أن تخزين طاقة البطاريات يعد محركا رئيسيا في تعزيز دور مصادر الطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ضمن نظام توليد الكهرباء في المملكة العربية السعودية.

وقال الصبان إن أهمية التخزين تنبع من طبيعة مصادر الطاقة المتجددة، حيث أن الطاقة التي تولدها عادة ما تكون متاحة خلال فترة محدودة لا تزيد عن أربع ساعات. ولذلك فإن تخزين هذه الطاقة في البطاريات يلعب دوراً مهماً في إطالة الفترة التي يمكن استخدامها خلالها وإتاحتها لتلبية احتياجات قطاع الكهرباء في أوقات لاحقة.

وأشار إلى أن القدرة الحالية، على الرغم من أهميتها، تظل غير كافية في حد ذاتها نظرا للتقلبات الجوية ومحدودية الفترة التي يمكن خلالها الاستفادة من الطاقة الشمسية، خاصة بعد غروب الشمس. وهذا يؤكد أهمية هذه المشاريع في المرحلة المقبلة لتحسين كفاءة استخدام الطاقة المتجددة.

“التخزين” يعيد تشكيل نظام الكهرباء

وقال المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس لـ«الشرق الأوسط» إن توقيع هذه الاتفاقيات في وقت واحد يحمل رسالة مهمة: أن السعودية لم تعد تنظر إلى الطاقة المتجددة على أنها مجرد إضافة لقدرة توليد جديدة. وبدلا من ذلك، فإنها تتجه نحو بناء نظام كهربائي متكامل يشمل التوليد والتخزين وإدارة الأحمال وتحسين موثوقية الشبكة.

وأوضح أن التخزين هو حلقة الوصل التي تحول الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من مصادر متقطعة إلى موارد يمكن إدارتها والاستفادة منها عند الحاجة. ويعتبر ذلك علامة على نضج أكبر في قطاع الطاقة، لا سيما في ظل التوسع المستهدف في مصادر الطاقة المتجددة.

وتساهم هذه المشاريع أيضًا اقتصاديًا من خلال تحسين كفاءة استخدام أصول الكهرباء وتقليل الحاجة إلى بناء القدرات التقليدية التي تعمل فقط خلال ساعات الذروة، مع تعزيز استقرار الشبكة أيضًا. وشدد على أن القيمة لا تكمن في البطاريات نفسها فحسب، بل في المرونة التي تضيفها إلى نظام الطاقة بأكمله.

المليارات توفر فرصة للمحتوى المحلي

وقال العطاس إن قيمة العقود تمثل فرصة جيدة للمحتوى المحلي، مع التأكيد على ضرورة التمييز بين تصنيع البطاريات نفسها وبقية سلسلة القيمة. ويتوقع أن تركز الفرص في المرحلة الأولية على الأعمال المدنية والكهربائية والبناء والتركيب والتشغيل والصيانة، بالإضافة إلى بعض أنظمة التجميع والدعم، بينما ستظل تقنيات الخلايا والبطاريات المتقدمة في البداية أكثر اعتمادًا على الواردات.

وأكد أن العامل الاقتصادي الأهم هو حجم السوق المستقبلي. إن ظهور المملكة العربية السعودية كسوق كبيرة ومستقرة لمشاريع تخزين الطاقة يمكن أن يخلق حافزاً حقيقياً لتوطين مصانع التجميع، تليها بعض المكونات وربما التصنيع على نطاق أوسع في وقت لاحق. وأشار إلى أن الصناعة لا تنتقل إلى السوق لمجرد وجود مشروع أو مشروعين، ولكن عندما ترى طلبًا مستدامًا وحجمًا اقتصاديًا واضحًا. وهذا يسلط الضوء على أهمية الحفاظ على برنامج التخزين في المملكة العربية السعودية.

أصل استثماري مستقل

ويعتقد العطاس أن هذه المشاريع تمثل خطوة مهمة نحو التعامل مع تخزين الطاقة كفئة أصول استثمارية مستقلة وليس مجرد عنصر في محطة للطاقة الشمسية أو طاقة الرياح.

وأوضح أن وجود عقود طويلة الأجل مدتها 15 عاماً، وهيكل تعاقدي واضح، وتدفقات نقدية يمكن التنبؤ بها، يجعل هذا النوع من الأصول أكثر جاذبية للمستثمرين وممولي المشاريع.

وأشار إلى أن جاذبية التخزين مقارنة بمحطات التوليد التقليدية تكمن في الخدمة المختلفة التي تقدمها، وهي المرونة والقدرة على توفير الطاقة عند الحاجة إليها. بالمقارنة مع مشاريع الطاقة المتجددة، يعالج التخزين أحد أكبر تحدياتها: عدم التوافق بين توقيت التوليد وتوقيت الطلب.

أكوا تتوسع في مجال البنية التحتية للطاقة

وتبرز شركة أكوا باور كأحد الأطراف الرئيسية في المشاريع الثلاثة في منطقة مكة المكرمة وحائل، بحصة تبلغ حوالي 35 بالمائة. ويرى العطاس أن هذا يعكس التحرك نحو بناء محفظة أوسع من أصول البنية التحتية للطاقة بدلاً من التركيز فقط على مشاريع توليد الكهرباء.

وتهدف المملكة العربية السعودية من خلال هذه المشاريع إلى زيادة حصة الطاقة المتجددة وأنظمة تخزين الطاقة في مزيج الطاقة لديها إلى حوالي 50 بالمائة بحلول عام 2030، بما يتماشى مع الطلب المتزايد على الكهرباء وبطريقة تساهم في تعزيز موثوقية النظام وكفاءته ومرونته التشغيلية.

وتتولى الشركة السعودية لشراء الطاقة، بصفتها “المشتري الرئيسي”، مسؤولية إعداد الدراسات الأولية وطرح عطاءات مشاريع توليد الكهرباء وتخزين الطاقة، بالإضافة إلى توقيع اتفاقيات شراء الطاقة واتفاقيات خدمات تخزين الطاقة مع اتحادات المطورين.

ولا تقتصر إعادة تشكيل نظام الكهرباء على إضافة سعة تخزينية. وتتزامن هذه الخطوة مع جهود موازية لتعزيز البنية التحتية للشبكة نفسها لمواكبة التوسع المتوقع في مصادر التوليد الجديدة. وقعت شركة الطاقة السعودية اتفاقية تعاون مع شركة Bpifrance لتمويل مشاريع تطوير وتوسعة شبكة الكهرباء وتقديم حلول تمويلية لمشتريات الشركة ومشاريع البنية التحتية.

وتم توقيع الاتفاقية خلال المائدة المستديرة السعودية الفرنسية للاستثمار في باريس، تزامنا مع الزيارة الرسمية التي يقوم بها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا.

ويبني الاتفاق على مذكرة تفاهم سابقة لإنشاء تسهيل تمويلي بقيمة تصل إلى 3 مليارات دولار، يهدف إلى دعم برنامج المشتريات ومشاريع البنية التحتية للكهرباء، بما في ذلك المعدات المتعلقة باستقرار الشبكة.

في نهاية المطاف، الصورة التي تتشكل اليوم لا تتعلق فقط بالبطاريات. ويتعلق الأمر بما يمكن أن يصبح عليه نظام الكهرباء في المملكة العربية السعودية في السنوات المقبلة: توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وبطاريات لتخزينها، وشبكة مجهزة بشكل أفضل لنقلها وإدارتها عند الحاجة. ومن بين هذه المكونات، تتشكل سوق جديدة يمكن أن تصبح واحدة من أبرز قصص الاستثمار في قطاع الطاقة في المرحلة المقبلة.