الكويت: الصراخ والانفعالات العاطفية والشكاوى المتكررة تجاه الحكام هي من بين السمات التي غالبًا ما ترتبط بالتعليقات الكروية العربية. بالنسبة لبعض المشجعين، هذه العناصر هي التي تجعل التجربة مثيرة ولا تُنسى؛ بالنسبة للآخرين، يمكن أن تصبح مفرطة ومشتتة للانتباه. وخلال كأس العالم، انكشفت ردود الفعل المتناقضة هذه بين مشجعي كرة القدم في الكويت. بدءًا من اختيار المعلق المفضل وحتى المشاهدة في صمت تام، يمتلك المعجبون طرقهم الخاصة لمتابعة الـ90 دقيقة.
ما وراء الحواجز
بالنسبة لحذيفة علي، وهو شاب هندي مقيم يبلغ من العمر 23 عاماً ويتابع كرة القدم لأكثر من عقد من الزمن، فإن التعليق العربي يضيف شيئاً يتجاوز مجرد وصف ما يحدث على أرض الملعب. “التعليق العربي أكثر متعة وعاطفة. وقال: “المعلقون يتحدثون بحرية أكبر ويعبرون عما يشعرون به بشكل علني، وهذا يربط المشجعين أكثر باللعبة”. على الرغم من أن اللغة العربية ليست لغته الأولى، إلا أن علي، الذي نشأ في الكويت ولديه بعض الفهم للغة، غالبًا ما يختار التعليق باللغة العربية على البدائل الإنجليزية.
يجد أن التعليق باللغة الإنجليزية أكثر جدية وتنظيمًا، مع التركيز الشديد على التحليل والإحصائيات. وأضاف علي: “يشعر المعلق العربي وكأنه شخص يستمتع بوظيفته حقًا، وليس شخصًا يقوم بها ببساطة”. ويشاركه رأيه مشجعو كرة القدم خارج العالم العربي أيضًا. خلال بطولة كأس العالم الحالية، انتشرت على الإنترنت مقاطع لتفاعل المشجعين الغربيين عاطفياً مع المباريات مع تعليق باللغة العربية، حتى عندما لم يكن الكثير منهم يفهمون اللغة.
كما جذبت هذه الظاهرة الاهتمام الدولي. وصفت صحيفة الغارديان تعليق كرة القدم العربية بأنه “يقترب من الشعر”، وكتبت أنه في حين أن كأس العالم قد سلط الضوء على المزيد من فرق الشرق الأوسط، إلا أن المعلقين – وليس اللاعبين أنفسهم – هم من يسرقون الأضواء في كثير من الأحيان. هذا الارتباط العاطفي هو بالضبط ما يجعل التعليق جزءًا أساسيًا من تجربة المباراة للمشجع المصري حازم رفعت، المتابع لكرة القدم منذ 30 عامًا. بالنسبة له، المعلق يملأ الفراغ بين مشاهدة المباراة في المنزل والشعور بأجواء الملعب. “بصراحة، لا أستطيع أن أتخيل مشاهدة مباراة دون تعليق. يمكن للمعلق أن يغير مزاج المباراة بشكل كامل. قد تبلغ نسبة الإثارة في اللعبة 50 بالمئة، لكن يمكن للمعلق رفعها إلى 80 أو 90 بالمئة.
عبارات لا تنسى
بالنسبة لرفعت، فإن تأثير المعلقين يتجاوز أصواتهم. غالبًا ما تصبح عباراتهم الشهيرة مرتبطة بلحظات مميزة، وتبقى في الذاكرة العامة لفترة طويلة بعد نسيان تفاصيل المباراة. وتذكر مباراة كأس العالم 2006 بين فرنسا والبرازيل، عندما وصف المعلق التونسي رؤوف بن خليف الكرة العرضية الموضوعة بشكل مثالي بأنها “بالضبط في المليمتر”. وأصبحت العبارة فيما بعد جزءا من المحادثات اليومية خارج نطاق كرة القدم. ويعتقد رفعت أن التعليق الكروي تطور من السرد البسيط إلى شكل من أشكال الفن الدرامي، أقرب إلى رواية القصص أو سرد المعركة.
الدعوة إلى الصمت
ومع ذلك، فإن نفس الحدة التي تجذب بعض المشاهدين هي التي تدفع الآخرين بعيدًا. ومؤخراً قدم المؤرخ الرياضي الكويتي حسين البلوشي، الذي تابع تطور البث الرياضي لعقود من الزمن، شكوى إلى إحدى هيئات البث، واصفاً أسلوب التعليق خلال كأس العالم بأنه “واحد من أكبر خيبات الأمل في البطولة”. ويزعم البلوشي أن التعليق الحديث أصبح يركز بشكل مفرط على الصراخ الأدائي. «شخصيًا، مع أسلوب التعليق الحالي، أفضل أحيانًا الصمت التام. وقال إن المعلق الحالي غالباً ما يرى في الصراخ وسيلة لجذب المشاهدين.
“إذا صرخ شخص ما لمدة 90 دقيقة، يصبح الأمر مرهقًا. يبدو الأمر وكأنني ألعب المباراة مع اللاعبين. يجب أن يكون هناك توازن ولحظات صمت. واتفق رفعت مع الرأي القائل بأن بعض المعلقين يذهبون إلى أبعد من ذلك، لكنه قال إن الأسلوب الدرامي مستمر لأن الكثير من المشجعين يستمتعون به. «بالتأكيد هناك مبالغات، لكنها لا تزال تحظى بإعجاب جزء كبير من الجمهور. وقال: “هناك أيضًا معلقون أكثر واقعية وأقل دراماتيكية”. وأكد البلوشي أنه ليس ضد الانفعال في التعليق، خاصة خلال مباريات المنتخب الوطني، لكنه يرى أنه يجب الموازنة بين العاطفة والاحترافية.
إنه يفتقد العصر القديم، حيث سمح المعلقون للعبة بالتنفس، مما أعطى المشاهدين مساحة لاستيعاب الحدث. وتكرر هذا الشعور ميليكا ستيفان، مشجعة كرة القدم الصربية التي تعيش في الكويت. تجد أن التعليق غالبًا ما يصرف الانتباه عن اللعبة نفسها. “في هذه الأيام أفضّل مشاهدة المباراة دون تعليق. وقالت: “أنا أحب كرة القدم للعبة نفسها، لكن المعلقين يمكن أن يفسدوا التجربة أحيانًا بمعلومات غير ضرورية وآراء متحيزة وعبارات متكررة”. “عند المشاهدة مع مجموعة، يصبح الأشخاص من حولك أفضل المعلقين.”
حقبة جديدة من الاختيار
وأشار علي أيضاً إلى مسألة التحيز، قائلاً إن بعض المشجعين يشعرون بالإحباط عندما تتحول العاطفة إلى انتقاد شخصي للاعبين. وقال إنه يود رؤية تغطية أقل انحيازًا من المعلقين الذين يستهدفون بشكل متكرر لاعبين معينين. لقد غيّر البث العالمي الحديث أيضًا كيفية اختيار المعجبين للمعلقين. على عكس العقود الماضية، عندما كان المشاهدون مقتصرين في الغالب على البث المحلي، تسمح لهم القنوات الفضائية والشبكات الدولية الآن بمقارنة الأساليب المختلفة واختيار الأصوات التي يفضلونها.
ورغم أن المعلقين من شمال أفريقيا يتمتعون بشعبية كبيرة، وخاصة من تونس والجزائر، فإن جاذبية التعليق العاطفي لا تقتصر على العالم العربي. اكتسب المعلقون من أمريكا اللاتينية أيضًا متابعة دولية لأسلوبهم العاطفي ودعواتهم التهديفية المثيرة وقدرتهم على زيادة مشاعر المباراة.
وعلى الرغم من هذه الاختلافات، فإن إزالة التعليقات بالكامل تظل صعبة بالنسبة للعديد من مشجعي كرة القدم. وقال عالم النفس الرياضي الدكتور سعدون الهندال إن التعليق يساعد على منع الشعور بالفراغ في المباريات من خلال إضافة التشجيع وطاقة الجمهور والإثارة. “بدون تعليق، قد تبدو المباراة وكأنها مجرد حركة متواصلة – هجمة تلو الأخرى – وفجأة يحدث هدف. يختفي التراكم والتوتر والتوقعات. وقال إن المعلق الجيد يساعد في خلق تلك الرحلة العاطفية.






