Home عربي اللغة العربية أكثر من مجرد وسيلة تواصل – د خالد الصالح

اللغة العربية أكثر من مجرد وسيلة تواصل – د خالد الصالح

10
0
اللغة العربية هي أكثر من مجرد وسيلة اتصال

اللغة العربية أكثر من مجرد وسيلة تواصل – د خالد الصالح

أ إن أعظم معارك الأمة لا تخاض فقط في ساحة المعركة، أو في الساحات السياسية، أو من خلال المنافسة الاقتصادية. كما يتم قتالهم في أذهان شعبها. لقد أثبت التاريخ أنه عندما تفقد الأمة الثقة في لغتها، فإنها تفقد تدريجيا ذاكرتها وثقافتها وهويتها. ويبدأ في التحدث بكلمات الآخرين، والتفكير في أفكار الآخرين، والاعتماد على ما يبدعه الآخرون. اللغة العربية هي أكثر بكثير من مجرد وسيلة اتصال. إنها اللغة التي حافظت على تاريخنا، ووثّقت حضارتنا، وحملت إنجازاتنا العلمية والأدبية والثقافية عبر الأجيال.

ويظل الرابط الأقوى الذي يربط العرب من الخليج إلى المحيط الأطلسي ويقف كواحد من أوضح التعبيرات عن هويتنا الجماعية. ولهذا السبب، فإن محاولات إضعاف اللغة كثيراً ما رافقتها محاولات إضعاف الأمة نفسها. وأولئك الذين لا يستطيعون احتلال الأراضي قد يسعون بدلاً من ذلك إلى التأثير على العقول، مدركين أن إقناع الأجيال الشابة بأن لغتهم غير كافية يشكل انتصاراً في حد ذاته.

ويعكس الحضور المتزايد لللافتات التجارية والإعلانات والعلامات التجارية باللغة الأجنبية في جميع أنحاء المدن العربية اتجاهاً ثقافياً أوسع. وفي العديد من الأماكن، تغيب اللغة العربية بشكل متزايد عن الأماكن العامة، مما يخلق الانطباع بأن اللغات الأجنبية تتمتع بمكانة أكبر. ومع ذلك، فإن احترام المرء للغته ليس تعبيرا عن التعصب؛ إنه انعكاس للثقة الوطنية بالنفس. كل أمة حافظت على هويتها، فعلت ذلك بالحفاظ على لغتها. قليل من المجتمعات الناجحة هي التي تخلت عن لغتها الأم داخل حدودها.

ويمثل التعليم تحديا أكبر. إن الاعتقاد السائد على نطاق واسع بأن مدارس اللغات الأجنبية توفر تلقائياً تعليماً متفوقاً يستحق إعادة النظر بعناية. تظهر الأبحاث التعليمية باستمرار أن الأطفال يحققون فهمًا وإبداعًا وأداءً أكاديميًا أقوى عندما يتلقون تعليمهم الأساسي بلغتهم الأم، بينما يتعلمون اللغات الأجنبية كأدوات قيمة للتواصل والمشاركة العالمية. إن التعددية اللغوية هي ميزة، ولكنها ينبغي أن تكمل – ولا تحل محل – الهوية اللغوية والثقافية للطفل.

لا أحد يجادل في أهمية اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها من اللغات العالمية في عصر يقوده العلم والتكنولوجيا والتعاون العالمي. إتقانها أمر ضروري. ولا ينشأ القلق إلا عندما يأتي تعلم اللغات الأجنبية على حساب اللغة العربية نفسها. في جميع أنحاء العالم، تواصل البلدان تعزيز التعليم العالي بلغاتها الوطنية مع تشجيع الكفاءة في لغات إضافية. وحتى الدول ذات التعداد السكاني الصغير نسبيًا تعتبر حماية لغتها عنصرًا أساسيًا للسيادة والاستمرارية الثقافية. والدرس هنا واضح: التقدم لا يتطلب التخلي عن التراث اللغوي.

والمطلوب هو نهج متوازن يعيد اللغة العربية إلى مكانها الصحيح مع الحفاظ على الانفتاح على العالم. يجب على المدارس والجامعات تعزيز اللغة العربية إلى جانب تعليم اللغات الأجنبية. يجب على المؤسسات العامة والشركات ضمان بقاء اللغة العربية بارزة في اللافتات والاتصالات الرسمية. وينبغي أيضًا توجيه المزيد من الاستثمارات نحو البحث العلمي والنشر الأكاديمي وإنتاج المعرفة باللغة العربية لتوسيع دورها في البحث العلمي الحديث. اللغة هي أكثر من مجرد كلمات مطبوعة على اللافتات أو منطوقة في الفصول الدراسية.

فهو يحمل تاريخ الأمة، ويحفظ ذاكرة شعبها، ويشكل مستقبل الأجيال القادمة. وبالتالي فإن حماية اللغة العربية لا تقتصر على الحفاظ على الماضي فحسب؛ إنه استثمار في المستقبل. ويتقاسم القادة السياسيون والمعلمون والمثقفون وصناع السياسات مسؤولية الحفاظ على اللغة العربية. والدفاع عنه يعني الدفاع عن هوية الأمة وذاكرتها الثقافية ومستقبلها على المدى الطويل. إن الأشخاص الذين يهملون لغتهم لا يخاطرون بخسارة وسيلة الاتصال فحسب، بل يخاطرون أيضًا بخسارة السرد التاريخي الذي يحدد هويتهم والإرث الذي يتركونه للأجيال القادمة.