هل يتجه العالم نحو عصر نووي جديد وأكثر خطورة؟ وبينما تحدث الدبلوماسيون ذات يوم عن التخفيض وضبط النفس، فإن التقييم الأخير المثير للقلق الصادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام يكشف عن تحول صارخ: المخزونات النووية العالمية تتضخم، والتحديث يتسارع، والسلام الهش الذي دام منذ نهاية الحرب الباردة ينهار تحت وطأة التنافس بين القوى العظمى وبؤر التوتر الإقليمية.
ويحذر التقرير من أن عقودا من التخفيضات التدريجية في المخزونات النووية العالمية قد تنتهي قريبا، مما يثير مخاوف بشأن تجدد سباق التسلح في وقت تعيد فيه الصراعات في الخليج وأوروبا الشرقية وآسيا تشكيل استراتيجيات الأمن الدولي.
إن حسابات الهند الاستراتيجية تخضع للاختبار وسط تصاعد التوترات الإقليمية. وقد سلطت المواجهة العسكرية التي استمرت 88 ساعة مع باكستان في مايو/أيار 2025 الضوء على المخاطر المستمرة على طول الحدود، مع وجود مؤشرات جديدة على تورط أعمق من جانب الصين وتركيا في دعم إسلام أباد. وردا على ذلك، تتعرض نيودلهي لضغوط متزايدة لمواصلة تعزيز قدراتها الدفاعية.
ومما يزيد من تفاقم هذه المخاوف أن أحدث تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام يمثل تحولاً كبيراً: فللمرة الأولى، أعلن صراحةً عن عدد غير الصفر من الرؤوس الحربية النووية المنشورة للهند، مقدراً أن البلاد تحتفظ حالياً بحوالي 12 رأساً حربياً منشوراً. وعلى الرغم من أن الترسانة النووية الإجمالية للهند لا تزال أصغر بكثير من ترسانة الولايات المتحدة وروسيا والصين، فإن هذا التقييم يسلط الضوء على التطور التدريجي لوضع الردع النووي الهندي في بيئة أمنية متزايدة التعقيد وغير مؤكدة.
ويقدر معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام أن الدول التسع المسلحة نوويا في العالم تمتلك مجتمعة ما يقرب من 12187 رأسا نوويا. ومن بين هذه الأسلحة، هناك حوالي 9,745 رأسًا حربيًا محتجزًا في المخزونات العسكرية للاستخدام المحتمل، بينما يتم نشر ما يقدر بـ 4,012 رأسًا حربيًا مع قوات الصواريخ والطائرات التشغيلية. ولا يزال هناك ما بين 2100 إلى 2200 رأس حربي منتشر في حالة تأهب تشغيلي عالٍ، وخاصة في ترسانات الولايات المتحدة وروسيا.
ويسلط التقرير الضوء على الصين باعتبارها القوة النووية الأسرع نموا. وتشير التقديرات إلى أن بكين تمتلك نحو 620 رأسًا نوويًا، وتواصل توسيع قواتها الاستراتيجية بوتيرة غير مسبوقة. وبحلول يناير/كانون الثاني 2026، أفادت التقارير أن الصين قامت بتحميل مئات الصواريخ في حقول الصوامع المشيدة حديثًا في المناطق الشمالية بينما واصلت بناء صوامع إضافية في المناطق الجبلية الشرقية. ويشير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن الصين ربما يكون بوسعها أن تمتلك عدداً من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات يماثل ما تمتلكه روسيا أو الولايات المتحدة بحلول نهاية هذا العقد، على الرغم من أن إجمالي مخزونها من الرؤوس الحربية سيظل أصغر كثيراً.
وبالنسبة للهند فإن التحديث النووي السريع في الصين يظل يشكل مصدر قلق استراتيجي بالغ الأهمية. لقد نظر المخططون الأمنيون الهنود منذ فترة طويلة إلى القدرات العسكرية المتوسعة للصين، إلى جانب علاقتها الاستراتيجية الوثيقة مع باكستان، باعتبارها محركات رئيسية وراء جهود نيودلهي لتعزيز قدرات الردع الخاصة بها. إن تقييم معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام بأن الهند قد تنشر في بعض الأحيان عدداً محدوداً من الرؤوس الحربية على الصواريخ خلال وقت السلم يسلط الضوء على الطبيعة المتغيرة لديناميكيات الردع الإقليمية.
ويأتي التقرير في لحظة متقلبة بشكل خاص في الشؤون العالمية. كان الصراع الدائر في غرب آسيا، والذي ينطوي على مواجهات عسكرية مباشرة وخطر تصعيد إقليمي أوسع نطاقا، سببا في تفاقم المخاوف بشأن الدور المحتمل للأسلحة النووية في الأزمات الدولية. وعلى الرغم من أن أياً من المقاتلين النشطين في الصراع الحالي لم يهدد علناً باستخدام الأسلحة النووية، إلا أن المحللين يحذرون من أن عدم الاستقرار المطول في المنطقة يمكن أن يجذب القوى الكبرى ذات القدرات النووية، مما يزيد من خطر سوء التقدير الاستراتيجي.
لقد أصبحت البيئة الأمنية الدولية الأوسع هشة على نحو متزايد. وتستمر حرب روسيا في أوكرانيا في تشكيل الخطاب النووي في أوروبا، في حين تظل التوترات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ مرتفعة بسبب النزاعات الإقليمية والمنافسة العسكرية. وعلى هذه الخلفية، تخضع الافتراضات التقليدية التي حكمت الردع النووي خلال فترة ما بعد الحرب الباردة للاختبار.
وحذر كريم حجاج، مدير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، من أن الأصوات السياسية المؤثرة في العديد من البلدان تقدم الأسلحة النووية بشكل متزايد كضمانات أساسية للأمن القومي. وقال إن مثل هذا التفكير يخاطر بجعل الاستراتيجيات الدفاعية أكثر اعتمادًا على الترسانات النووية ويمكن أن يزيد بشكل كبير من فرص تصاعد الأزمات المستقبلية إلى ما هو أبعد من الحرب التقليدية.
وأشار حجاج إلى أن “المخاطر المرتبطة بالأسلحة النووية تتزايد بسبب التقدم في تكنولوجيا الأسلحة، وانهيار اتفاقيات الحد من الأسلحة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية”. وأشار أيضًا إلى المواجهة العسكرية في مايو 2025 بين الهند وباكستان كمثال على كيفية استمرار الصراعات الإقليمية التي تشمل دولًا مسلحة نوويًا في تحدي نظريات الردع الراسخة.
وعلى الرغم من جهود التحديث المستمرة التي تبذلها الدول التسع المسلحة نووياً، تظل روسيا والولايات المتحدة القوى النووية المهيمنة. وهي تمثل مجتمعة ما يقرب من 83 في المائة من الرؤوس الحربية النووية القابلة للاستخدام في العالم. وبينما ظلت مخزوناتهما مستقرة نسبيًا خلال عام 2025، يواصل كلا البلدين الاستثمار بكثافة في أنظمة الصواريخ من الجيل التالي والغواصات وقاذفات القنابل والبنية التحتية للقيادة والسيطرة.
وبالنسبة للهند فإن الحفاظ على حد أدنى جدير بالثقة من الردع يظل يشكل حجر الزاوية في السياسة النووية. وتستمر نيودلهي في التمسك رسمياً بمبدأ “عدم الاستخدام الأول”، على الرغم من ظهور المناقشات حول مستقبل هذه السياسة بشكل دوري داخل الدوائر الإستراتيجية. إن ظهور تقنيات جديدة، بما في ذلك الأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، وأنظمة الدفاع الصاروخي وقدرات المراقبة المتقدمة، يجبر صناع السياسات في جميع أنحاء العالم على إعادة النظر في نماذج الردع التقليدية.
ويسلط تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الضوء أيضاً على المخاوف المتزايدة بشأن إضعاف الإطار العالمي لمنع الانتشار النووي. اختتم مؤتمر مراجعة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية لعام 2026 دون التوصل إلى وثيقة توافقية نهائية، وهو ما يمثل الفشل الثالث على التوالي في التوصل إلى اتفاق بين الدول الأعضاء.
ويحذر الخبراء من أن غياب التقدم في مجال الحد من الأسلحة، إلى جانب برامج التحديث النووي الجارية، يمكن أن يقوض الثقة في النظام الدولي لعدم الانتشار. إن المستقبل غير المؤكد لإطار معاهدة ستارت الجديدة بين واشنطن وموسكو يزيد من المخاوف بشأن عدم وجود آليات فعالة للحد من المنافسة الاستراتيجية.
ومع استمرار الصراعات في مناطق متعددة، من غرب آسيا إلى أوروبا الشرقية ومنطقة المحيط الهادئ الهندية، فإن أحدث النتائج التي توصل إليها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام هي بمثابة تذكير بأن المشهد النووي العالمي أصبح أكثر تعقيدا وربما أكثر خطورة. وبالنسبة للهند، التي تقع بين جارتين مسلحتين نووياً وتعيش في بيئة جيوسياسية متنازع عليها على نحو متزايد، فإن التحدي يكمن في الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي مع التكيف مع نظام أمني سريع التطور.
الساعة تدق بصوت أعلى. ومع تكاثر الصوامع، وتجوّل الغواصات بشكل أعمق، وأصبح الخطاب السياسي أكثر متعجرفاً بشأن ما لا يمكن تصوره، فإن تحذير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام يقف بمثابة إنذار أحمر للبشرية: إن عصر ضبط النفس النووي يتآكل، ومعه يتآكل حواجز الحماية التي حالت دون وقوع الكارثة لمدة ثمانية عقود من الزمن. بالنسبة للهند ــ المحشورة بين منافسين نوويين وتخوض منافسة بين القوى العظمى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ــ يتطلب الطريق إلى الأمام اليقظة والتفوق التكنولوجي والالتزام الثابت بالحد الأدنى من الردع الموثوق دون الاستسلام لسباق تسلح غير مقيد.
وما لم يعيد زعماء العالم اكتشاف حكمة الحد من التسلح والحوار، فإن الأعوام المقبلة تهدد بتحويل الأسلحة النووية من أدوات الملاذ الأخير إلى أدوات الاختيار الأول في لحظات الأزمات. والبديل هو مستقبل يمكن أن يؤدي فيه سوء التقدير في جبال الهيمالايا، أو مضيق تايوان، أو سهول أوروبا الشرقية إلى إغراق الحضارة في الظلام. وهذا ليس من قبيل إثارة الذعر، بل إنه عبارة عن حسابات مكتوبة في الرؤوس الحربية. والسؤال لم يعد ما إذا كانت المخاطر في ارتفاع، بل ما إذا كنا لا نزال نمتلك الإرادة الجماعية للتراجع عن حافة الهاوية.
اشترك في مجلة الهند اليوم
– ينتهي






