Home ثقافة في الأزقة والمقاهي القديمة.. “المنقلة”: لعبة الملح التي لا تشيخ – أخبار...

في الأزقة والمقاهي القديمة.. “المنقلة”: لعبة الملح التي لا تشيخ – أخبار الأردن | آخر الأخبار من الأردن والشرق الأوسط وشمال أفريقيا

5
0

بين أزقة المدينة القديمة وعلى أطراف “شارع الحمام”، حيث رائحة القهوة العربية السادة، يرتفع صوت نقر الحصى أثناء انتقاله من حفرة إلى أخرى على لوح خشبي، مشهد يبدو أن الذاكرة الأردنية نفسها تعزف “المنقلة”.اضا٠ة اعٔان

تجسد هذه اللعبة الشعبية، التي تتناقلها الأجيال، قصة لقاء، ومدرسة في الصبر والذكاء، وطقوساً اجتماعية تجمع القلوب قبل العقول، في شوارع المدينة ومقاهيها القديمة.

وتعتبر المنقلة من أقدم الألعاب الشعبية في مدينة السلط، وتحمل أهمية تاريخية وتراثية عميقة أعطتها مكانة خاصة لدى أهلها. ولا تزال حتى يومنا هذا تجمع اللاعبين يوميا في وسط المدينة، خاصة كبار السن الذين تتراوح أعمارهم بين 60 و90 عاما، لخوض منافسات شرسة من أجل الفوز.

القواعد وكيف يتم لعبها
وتتكون المنقلة في شكلها البسيط من لوح خشبي مستطيل الشكل به 14 حفرة أو “ثقب”، مقسمة بالتساوي إلى صفين متوازيين كل منهما سبع حفر. تستخدم اللعبة 98 حصاة أو حجارة صغيرة، موزعة سبعة في كل حفرة في بداية كل جولة.
وفي ميدان المنافسة، يقوم لاعبان بتحريك الحصى بين الحفر بحسابات دقيقة واستراتيجيات مدروسة بعناية، بهدف جمع أكبر عدد ممكن من الحصى والاستيلاء على أحجار الخصم.

للوهلة الأولى، قد تبدو المنقلة وكأنها لعبة بسيطة لنقل الحصى من حفرة إلى أخرى، لكن الجلوس للعب يكشف شيئًا مختلفًا: إنها لعبة تتطلب الحساب والتفكير الدقيق في الخطوة التالية.

لعبة تتطلب الفكر والذكاء
في ساحة البلدة، يجتمع اللاعبون، وأيديهم تتحرك فوق اللوح الخشبي، مستغرقين في تفاصيل اللعبة، مشهد يعكس علاقة طويلة معها رافقتهم منذ الصغر، بعد أن تعلموها من آبائهم وأجدادهم.

“لقد أمضينا العمر كله في لعبها”، لخص أحد اللاعبين ذلك واصفًا السنوات التي قضاها مع المنقلة قبل أن ينقلها إلى جيل جديد من عائلته.
وهو لا يرى أن اللعبة تتعلق فقط بجمع الحصى، على الرغم من أن الفائز بالجولة هو من يجمع أكبر عدد من الحصى. ويقول: “صحيح أن الفائز هو من يجمع أكبر عدد من الحجارة، لكن الأمر يحتاج إلى تفكير وذكاء”. تحدد كل حركة ما يمكن للاعب جمعه لاحقًا، مما يجعل التفكير الاستراتيجي ضروريًا للعبة.

لعبة تحفز الذاكرة وتوحد الأجيال
على مر السنين، أصبحت المنقلة وسيلة ممتعة لملء وقت الفراغ، ونسجت في حياة وذكريات لاعبيها، وتعلمتها من الأجيال السابقة وانتقلت بدورها إلى الأبناء والأحفاد.

وبحسب الدكتور إبراهيم المصري، مدير سياحة البلقاء السابق، فإن جذور اللعبة نبطية، ويعود تاريخها إلى أكثر من ألفي عام، رغم أنها استقرت في قلب مدينة السلط منذ حوالي 400 عام، ولا تزال تلعب يومياً، وهي شاهد حي على هوية المدينة وإرثها الثقافي.

ويشير المصري إلى أن المنقلة، إلى جانب كونها مجرد هواية، تحمل العديد من الفوائد الفكرية والعقلية: فهي تساعد على تنشيط الذاكرة، وشحذ القدرة الحسابية، وتنمية مهارات التفكير والإبداع لدى اللاعبين. كما يؤكد على دورها في تعزيز الروابط الاجتماعية وتعزيز التواصل بين الأجيال، مما يساعد في الحفاظ على هذا التراث.

تعريف زوار اللعبة وحماية تراثها
وقد أخذ المصري على عاتقه تعريف زوار السلط باللعبة، والجلوس معهم وتعليمهم بصبر كيفية تحريك الحصى، وكشف أسرارها حتى يزدادوا شغفا بها، والجهود الفردية والتفاعلية، كما يقول، هي بمثابة شريان الحياة الذي يبقي المنقلة على قيد الحياة ويحميها من الزوال.

كما شكر الدكتور المصري وزارة الثقافة على جهودها في إعداد ملف ترشيح المنقلة لإضافتها إلى القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى اليونسكو، معتبراً إياها إبداعاً إنسانياً يستحق الحفاظ عليه، آملاً أن يتم تسجيلها رسمياً حتى يظل صدى حصاتها يتردد عبر الأجيال.

أهمية المنقلة تتجاوز تاريخها وقواعدها؛ إنها تحكي قصة اجتماعية أوسع خلف اللوحة حيث يجلس لاعبان في مواجهة بعضهما البعض.
المنقلة تعرف الأطفال على طريقة حياة أجدادهم
ويشير عالم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي إلى أهمية الألعاب التراثية التي كان يمارسها الآباء والأجداد في الحفاظ على التقاليد ونقلها بين الأجيال.

وهي ألعاب بسيطة وغير مكلفة، توفر وسيلة لقضاء وقت الفراغ والاستمتاع بالمنافسة الودية، مع تقوية الروابط الاجتماعية، خاصة وأن الزيارات العائلية كانت تجمع الأقارب حولهم.

ويرى الخزاعي أن قيمة هذه الألعاب اليوم تكمن في تعريف الأبناء بما كان يفعله آباؤهم وأجدادهم في أوقات فراغهم، خاصة في ظل الانتشار الواسع للألعاب الإلكترونية بين الجيل الجديد.

في نهاية كل لعبة، بمجرد الإعلان عن الفائز وعودة الحصى إلى أماكنها على اللوحة، يستعد اللاعبان لجولة أخرى. يبدو المشهد بسيطا في تفاصيله، لكنه يحمل ذكريات آباء وأجداد جلسوا ذات يوم حول نفس اللوح، وتعلموا قواعده، وتنافسوا على جمع حصاته، فيما لا يزال ينتظر جيلا جديدا ليجلس أمامه ويقوم بالخطوة الأولى.

وتبقى المنقلة جزءا من ذاكرة السلط وحكايات أهلها، ولا يزال صدى أحجارها يتردد في ساحات المدينة وزوايا مقاهيها القديمة، وكأن هذا التقليد الاجتماعي القديم يصر على الصمود في وجه مرور الزمن والحداثة، حتى لا تشيخ المنقلة، لعبة الملح.