باريس: يُنظر إلى الثقافة منذ فترة طويلة على أنها مجال ثانوي، أو حتى كشيء منفصل عن القضايا الاقتصادية والجيوسياسية الكبرى، وقد أصبحت الآن واحدة من القوى الدافعة وراء التحول في المملكة العربية السعودية.
وفي قلب رؤية 2030، فهو يصاحب تحولًا عميقًا للمملكة ويساهم في بناء هوية وطنية جديدة، منفتحة بشكل متزايد على العالم.
وفي إطار هذه الديناميكية، تحتل فرنسا مكانة مميزة. بدءًا من التعاون في جميع أنحاء العلا وإقامات الفنانين في فيلا هجر إلى إنشاء كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس، تتضاعف المبادرات وتشكل ملامح الشراكة الثقافية التي من المقرر أن تنمو.
ويرى لويس بلين، الدبلوماسي والمتخصص في شؤون العالم العربي، أن هذا التطور لا ينبغي أن يقتصر على الصعود المذهل لقطاع الترفيه وحده.
ألعاب الفيديو والسينما والموسيقى والتراث والفنون المعاصرة والإبداع الفني كلها جزء من نفس الحركة: حركة المملكة العربية السعودية التي تسعى إلى الجمع بين الانفتاح الدولي وتأكيد جذورها.

يقول بلين، مؤلف العديد من الكتب عن الإسلام والجزيرة العربية، حيث خدم: “نحن نميل إلى فصل الاقتصاد عن الثقافة”. ومع ذلك، يشير إلى أن فرنسا نفسها توضح إلى أي مدى يمكن للصناعات الثقافية أن تشكل قطاعاً اقتصادياً رئيسياً.
ألعاب الفيديو هي واحدة من الأمثلة الأكثر رمزية. وحول هذه الصناعة على وجه التحديد، يجتمع البلدان الآن معًا، ولا سيما من خلال EWC، الذي يمثل وجوده في باريس رمزًا جديدًا لهذا التقارب.
لكن هذا اللقاء الثقافي الفرنسي السعودي لم يبدأ مع EWC. وقد تم بناؤه بشكل تدريجي حول عدد من المشاريع الكبرى، ومن بينها يحتل التطوير الثقافي والتراثي للعلا مكانًا مركزيًا.
يجمع التعاون الفرنسي السعودي هناك بين ترميم التراث وعلم الآثار والسياحة الثقافية والإبداع المعاصر وتطوير النظام البيئي الفني الدولي.
وفي مكان قريب، أصبحت فيلا هجرا مختبرًا آخر لهذه العلاقة، حيث تستضيف إقامات للفنانين وتوفر للمبدعين مساحة للحوار مع تراث العلا والمناظر الطبيعية فيها.

تضفي EWC الآن بُعدًا جديدًا لهذا التعاون، ويعكس اختيار باريس الطموح لجعل الحدث أكثر من مجرد مسابقة دولية لألعاب الفيديو.
وهو يوضح المكانة المتنامية للترفيه في استراتيجية النفوذ في المملكة العربية السعودية ورغبتها في التقريب بين المجتمعين من خلال الممارسات الثقافية المشتركة.
وتستجيب هذه الاستراتيجية أيضًا لتحدي الهوية، حيث أن التحول الذي تشهده المملكة العربية السعودية، وفقًا لبلين، يحدث ضمن السياق الأوسع للعولمة.
فبعد عقود من الزمن “كان فيها تأكيد الأصالة يرتبط أحيانا برفض أشكال معينة من التنوع الثقافي”، تسعى المملكة، من وجهة نظر بلين، إلى بناء “هوية وطنية قادرة على الانفتاح على العالم من دون التخلي عن تراثها”.
ولكن بالنسبة له فإن الصعوبة تكمن على وجه التحديد في الحفاظ على هذا التوازن، لأن الهدف لن يكون استيراد ثقافة أجنبية، بل “بناء شيء جديد من القديم”.
ويتابع قائلاً: “هذا يعني إعادة اكتشاف وتقدير تراث أوسع بكثير من المراجع الدينية البحتة، مثل تراث ما قبل الإسلام، أو تاريخ الحجاز، أو تقاليد عسير”.
ويقول: “علينا أن نستعيد أدمغتنا، وإلا فلن نتمكن أبدا من ترميم الحجارة”، موضحا أن التحول الثقافي لا يمكن أن يكون ماديا فحسب، بل يتطلب أيضا تحولا في العقليات، “واستعادة التراث وظهور جيل جديد من الفنانين”.

ومن هنا، يرى بلين، أن التعاون مع فرنسا يأخذ معناه الكامل، حيث تتمتع البلاد بخبرة واسعة في التراث والتعبير الفني والصناعات الثقافية.
وتتمتع المملكة العربية السعودية، من جانبها، بتراث استثنائي وإرادة سياسية ومالية كبيرة لتعزيزه. “وبالتالي فإن التقارب بينهما يمكن أن ينتج نموذجا أصليا، يقوم على اللقاء بدلا من التقليد”.
وبالتالي، أصبحت الثقافة أداة قوية لتحويل صورة المملكة، حيث توفر ألعاب الفيديو، على سبيل المثال، منصة فعالة بشكل خاص للمشاركة مع المجتمع الفرنسي. عندما يتشارك بلدان في نفس المشاعر، ونفس الفنانين، ونفس التجارب الثقافية، تتطور التصورات بشكل طبيعي.
ويرى بلين أن التحدي يمتد إلى ما هو أبعد من الموعد النهائي الذي حددته رؤية 2030. وقال إن عام 2030 هو تاريخ التعبئة، ولكن “التحول الثقافي من المقرر أن يستمر إلى ما بعد ذلك بكثير”.
وعلى النقيض من وجهة النظر الشائعة، يرى بلين أن “هذا التحول لن يكون من عمل ولي العهد وحده؛ كان قبل كل شيء يرافق طموحًا كان موجودًا بالفعل في المجتمع.
وقال بلين: “إنه لم يخلق هذه الموجة، بل المجتمع هو من خلقها”، مشدداً بشكل خاص على دور الشباب والنساء.
من تراث العلا إلى فناني فيلا هجر، وحتى عالم EWC المعولم، فإن الديناميكية الناشئة هي ديناميكية المملكة العربية السعودية التي تعتزم الآن جعل الثقافة لغة عالمية، قادرة على رواية قصة جديدة عن المملكة للعالم.






