ازدهرت المجتمعات القديمة في العالم العربي اليوم إما كمجتمعات زراعية متجذرة في مصر وسوريا والعراق، أو كقبائل بدوية تجوب شبه الجزيرة العربية الشاسعة والصحراء. وبفضل إيقاعات المطر غير المتوقعة والموارد المتغيرة، نسجت هذه المجتمعات المبكرة بشكل طبيعي نسيجًا عميقًا من الدعم المتبادل. في أوقات الشدة، كان الأفراد يخدمون المجموعة بإخلاص، في حين كان المجتمع يقدم ملاذًا دافئًا ووقائيًا للفرد.
وعلى الرغم من مسيرة الحداثة التي لا هوادة فيها، حافظت المجتمعات العربية بشكل جميل على هذا التضامن المتأصل في جميع جوانب الحياة. إنها سمة فريدة من نوعها تتناقض غالبًا مع النزعة الفردية الغربية. ومما لا شك فيه أن التعاليم المتسامحة للأديان الأصلية في هذه الأرض، مثل المسيحية والإسلام، عززت هذه القيم الرحيمة.
وهذا التضامن الحميم يتألق في بساطة الحياة اليومية. إذا نفد الثوم من المرأة أثناء الطبخ، فلا تهرع إلى السوق؛ إنها ببساطة تطرق باب جيرانها. عندما تنتقل عائلة إلى منزل جديد، يساعد الجيران على الفور في حمل أثاثهم. إنهم يحضرون بكل سرور صواني الطعام الدافئة، مع العلم أن الأسرة مرهقة وأن المطبخ الجديد لا يزال خاليًا.
وهذا يعكس الرابطة المقدسة لحسن الجوار في التراث العربي، والتي يجسدها المثل القائل: “اختر الجار قبل البيت”. والحقيقة أن دفء الجار يحدد قيمة المسكن.
أعمال النعمة العفوية تفيض في الشوارع. إذا كان الشخص الجائع لا يستطيع شراء وجبة، فإن الغرباء يتدخلون بشكل غريزي لدفع ثمنها. تتبنى العديد من المطاعم مبادرات حيث يشتري العملاء طعامًا إضافيًا، ويعلقون الإيصالات على الحائط لأي شخص محتاج.
وعلى هذا فإن صدى المقولة الخالدة: “لا أحد ينام جائعاً في العالم العربي”. والرحمة هنا ليست مجرد ترف للأثرياء؛ وحتى المحتاجون يتقاسمون عن طيب خاطر القليل الذي يملكونه. وفي ظل عالم عصري معقد، تظل هذه القيم الإنسانية المشعة القلب النابض للروح العربية.
أمجد الرفاعي هو مدير برنامج اللغة العربية في جامعة هونغ كونغ





