Home حرب أصبحت البنية التحتية للمياه هدفًا في الحروب الحديثة

أصبحت البنية التحتية للمياه هدفًا في الحروب الحديثة

21
0

يتم استهداف البنية التحتية للمياه بشكل متزايد ومتعمد في الحروب الحديثة كتكتيك استراتيجي لاستراتيجيات الحرب المتطورة، كما أظهرت الأحداث الأخيرة في إيران.

—”

أصبحت البنية التحتية للمياه على نحو متزايد بُعدًا صامتًا ولكنه بالغ الأهمية للصراع الحديث.

وفي المناطق القاحلة، لا تعد محطات تحلية المياه مجرد منشآت صناعية؛ فهي شريان الحياة الذي يدعم مجتمعات بأكملها. وقد استثمرت إيران، مثل العديد من البلدان في الشرق الأوسط، في البنية التحتية لتحلية المياه ونقل المياه من الخليج الفارسي إلى المناطق الفقيرة بالمياه في وسط إيران. وتشكل مرافق تحلية المياه في جزيرة قشم، وهي أكبر جزيرة في الخليج الفارسي بالقرب من مضيق هرمز ــ المعروفة بمناخها الجاف وندرة المياه ــ أهمية بالغة لتزويد المستوطنات الريفية المحيطة بالمياه الجوفية التي يمكن الاعتماد عليها.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، اتهم مسؤولون إيرانيون الولايات المتحدة بمهاجمة البنية التحتية لتحلية المياه في الجزيرة، مما أدى إلى قطع إمدادات المياه عن 30 قرية مجاورة.

أصبحت البنية التحتية للمياه هدفًا في الحروب الحديثة

غارة على طهران، العراق، في 3 مارس/آذار 2026. الصورة: ويكيميديا ​​كومنز.

ولا تمثل مثل هذه الهجمات مجرد أضرار عرضية أثناء العمليات العسكرية. بل إنها تعكس نمطًا متزايدًا في الحرب الحديثة حيث يتم استهداف البنية التحتية للمياه بشكل متعمد كتكتيك استراتيجي لاستراتيجيات القتال المتطورة. إن تعطيل الوصول إلى المياه في الصراعات يمكن أن يضر بشدة بسبل عيش الناس، في حين يشل الاقتصادات الزراعية ويؤثر على الأمن الغذائي. والواقع أن استهداف شبكات المياه يشكل سلاحاً لأحد أهم حقوق الإنسان الأساسية ــ الحق في المياه ــ وهو ما يحول مورداً أساسياً للحياة إلى أداة للإكراه والضغط ضد المدنيين في سياقات الصراع.

تاريخياً، تم الاعتراف بضعف البنية التحتية لتحلية المياه في جميع أنحاء العالم. خلال حرب الخليج عام 1991، قامت القوات العراقية بتخريب جزء كبير من محطات تحلية المياه في الكويت، مما ترك الملايين بدون مياه يمكن الاعتماد عليها. وفي الآونة الأخيرة، شنت جماعات الحوثي اليمنية هجمات بطائرات بدون طيار وصواريخ على منشآت تحلية المياه السعودية في الشقيق في عامي 2019 و2022، مما يدل على أن البنية التحتية للمياه لا تزال هدفًا استراتيجيًا في الصراعات الإقليمية.

وعلى الصعيد العالمي، تنتج محطات تحلية المياه في منطقة مجلس التعاون الخليجي ــ وهو اتحاد سياسي واقتصادي يضم ست دول عربية متاخمة للخليج العربي ــ 40% من إجمالي المياه المحلاة على مستوى العالم. وهذا يسلط الضوء على كيف أن الهجمات على هذه المرافق لها عواقب بعيدة المدى تتجاوز موقعها المباشر. ولذلك فإن فهم استهداف البنية التحتية للمياه يتطلب دراسة أبعاده الإنسانية والقانونية، لا سيما في السياقات التي يتأثر فيها السكان المدنيون بشكل مباشر.

أبعاد استخدام المياه كسلاح في الصراعات

ويعكس الاستهداف المتعمد للبنية التحتية للمياه دوافع وأساليب متداخلة متعددة تمتد إلى ما هو أبعد من التدمير المادي المباشر. تُظهر الأبحاث حول استخدام المياه كسلاح أن أنظمة المياه تحمل قيمة استراتيجية وتكتيكية ونفسية، وهو ما يدفع غالبًا إلى استهدافها أثناء الصراع.

إن قطع إمدادات المياه تحركه دوافع تكتيكية ذات ضرورة عسكرية، مثل تحديد محطات الضخ أو محطات تحلية المياه كأهداف عسكرية لعرقلة تقدم الخصوم، ولكن أيضا بأهداف استراتيجية أوسع، بما في ذلك إضعاف هياكل الحكم والإكراه على التنازلات السياسية. وفي بعض الحالات، تكون مهاجمة شبكات المياه أو قطع إمدادات المياه بمثابة وسيلة للتهجير القسري أو السيطرة على المدنيين أو معاقبتهم جماعيًا. وحتى عندما لا تتعرض شبكات المياه لهجوم مقصود ومباشر، فإنها لا تزال تنهار بسبب التأثير التراكمي لحرب المدن، مما يؤدي إلى تعميق العواقب الإنسانية على المدنيين.

طرق تسليح المياه

وعادة ما يتم استخدام المياه كسلاح بطريقتين: من خلال الحرمان، من خلال حرمان أو تلويث الوصول إلى الموارد المائية، ومن خلال الغمر، من خلال إطلاق المياه المخزنة عمدا أو التلاعب بتدفقات المياه لتوليد الفيضانات.

صورة القمر الصناعي لجزيرة قشم، إيران.

صورة القمر الصناعي لجزيرة قشم، إيران. الصورة: خدمة توزيع المعلومات المرئية الدفاعية.

وتوضح التقارير الأخيرة عن الهجمات على منشآت تحلية المياه في جزيرة قشم الإيرانية كيف تتقاطع هذه الديناميكيات في الممارسة العملية. وفي المناطق التي تعاني من ضغوط مائية مثل إيران، حيث البنية التحتية للمياه مركزية للغاية وحيث تؤدي ندرة الموارد إلى تفاقم عدم المساواة القائمة، فإن استهداف مثل هذه المرافق ليس مجرد تصعيد عسكري ولكنه يمكن أن يؤدي إلى تضخيم الضغط على السكان المدنيين، وخاصة الفئات المهمشة.

وبهذا المعنى، أصبحت المياه ــ وخاصة في مناطق الصراع ــ بمثابة آلية للسيطرة السياسية والاجتماعية، وهو ما يسلط الضوء على مدى تشابك الموارد البيئية مع الاستراتيجيات العسكرية.

ماذا يقول القانون الدولي الإنساني؟

ويعترف القانون الإنساني الدولي بخطورة الهجمات على شبكات المياه. إن الإطار القانوني الذي يحكم النزاعات المسلحة، وخاصة اتفاقيات جنيف وبروتوكولها الإضافي الأول، يحظر صراحة الهجمات ضد الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين. تنص المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول على أنه يجب على أطراف النزاع ألا تدمر أو تجعل المنشآت التي توفر مياه الشرب للمدنيين عديمة الفائدة، بما في ذلك محطات تحلية المياه والخزانات وشبكات الري. ويتم تعزيز هذا المبدأ القانوني من خلال القانون الإنساني الدولي العرفي، كما أوضحته اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والذي يؤكد على واجب التمييز بين الأهداف العسكرية والبنية التحتية المدنية. إن التعطيل المتعمد لمحطات تحلية المياه أو حرمان السكان من المياه قد يشكل انتهاكًا لهذه القواعد القانونية وربما يقوض حقوق الإنسان الأساسية، مما يجعل مثل هذه الإجراءات شكلاً قويًا وغير قانوني من أشكال الإكراه ضد السكان المدنيين بموجب نظام روما الأساسي.

تسليح المياه في الممارسة العملية

وتظهر السوابق التاريخية المخاطر الإنسانية والقانونية العميقة لمثل هذه الهجمات. تقدم مدينة حلب السورية مثالاً صارخًا على استخدام المياه كسلاح خلال الحرب الأهلية السورية. استهدفت القوات الحكومية وجماعات المعارضة بشكل متكرر البنية التحتية للمياه، وقطعت الإمدادات، ودمرت أنظمة المعالجة، وتعمدت تلويث مياه الشرب في محافظات، بما في ذلك دير الزور والرقة وحلب. إن تدمير أنظمة المياه والتلاعب بها لم يدعم استراتيجيات ساحة المعركة فحسب، بل أدى أيضًا إلى تعميق الأزمة الإنسانية، حيث سلط خبراء الأمم المتحدة ومراقبو حقوق الإنسان الضوء على هذه الأعمال باعتبارها انتهاكات محتملة للقانون الإنساني الدولي.

وفي العراق، بعد الاستيلاء على الموصل في عام 2014، قام تنظيم داعش بإغراق المناطق المحيطة بشكل استراتيجي من خلال التلاعب بسد الموصل، مما أعاق تقدم الجيش العراقي وأجبر على عمليات إجلاء جماعية. ومن خلال توسيع سيطرته على البنية التحتية الأخرى للمياه، مثل سد الفلوجة ومرافق المياه في بعقوبة، تمكن داعش من إغراق الأراضي الزراعية التي تسيطر عليها الحكومة بالقرب من بغداد وتشريد ما يصل إلى 40 ألف نسمة. وأثار المراقبون مخاوف من أن سيطرة داعش على سد الموصل والبنية التحتية المائية الأخرى مكّنت من استخدام المياه كأداة للإكراه، مع تداعيات إنسانية كبيرة على المدنيين، بما في ذلك تعطيل سبل العيش وانعدام الأمن الغذائي والنزوح.

منظر للمنافذ السفلية لسد الموصل في الموصل، العراق.

منظر للمنافذ السفلية لسد الموصل في الموصل، العراق. الصورة: خدمة توزيع المعلومات المرئية الدفاعية.

وفي السودان، وفقاً لتقرير “القانون الدولي الإنساني تحت المجهر” الذي نشرته أكاديمية جنيف للقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان، أدى الاستهداف المتعمد والاستيلاء على موارد المياه إلى تفاقم ظروف المجاعة وتسبب في نزوح جماعي، مما يؤكد الانتهاكات الواضحة للقانون الإنساني الدولي.

توضح هذه الأمثلة أن الهجمات على البنية التحتية للمياه نادراً ما تكون عرضية. فهي تشكل شكلاً قوياً من أشكال الإكراه، وتحمل عواقب طويلة الأمد على السكان المدنيين، وتؤدي إلى مسؤولية قانونية دولية واضحة تقع على عاتق الأطراف التي تفشل في حماية الخدمات الأساسية.

ضمان حماية المياه كحق من حقوق الإنسان في النزاعات المسلحة

وفي نهاية المطاف، فإن حماية الموارد المائية والبنية التحتية ليست التزامًا قانونيًا فحسب، بل هي أيضًا ضرورة أخلاقية. وفي المناطق التي يؤدي فيها تغير المناخ والنمو السكاني إلى تفاقم ندرة المياه، تمثل هذه المرافق الفرق بين الاستقرار والأزمة. ومن ثم فإن ضمان بقاء البنية التحتية للمياه محظورة في الصراعات المسلحة أمر ضروري لحماية الأمن البشري والاستدامة البيئية. عندما تصبح المياه سلاحا، فإن آثارها يتردد صداها إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة، مما يقوض قدرة المجتمعات والنظم البيئية على الصمود لأجيال.

وقد شددت المنظمات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية، بشكل متزايد على حماية البنية التحتية للمياه كجزء من الجهود الأوسع لحماية السكان المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. ومع ذلك، فإن منع مثل هذه الانتهاكات يتطلب آليات رقابة ومساءلة دولية أقوى. ويتضمن أحد الأساليب المقترحة تعيين مرافق المياه الحيوية ــ بما في ذلك محطات تحلية المياه ــ باعتبارها بنية تحتية إنسانية محمية، على غرار المستشفيات والمدارس. وبالإضافة إلى ذلك، فإن إنشاء مناطق منزوعة السلاح حول شبكات المياه الرئيسية من الممكن أن يساعد في الحد من تعرضها للأعمال العدائية، في حين يضمن أن اتفاقات وقف إطلاق النار والسلام تتضمن بوضوح أحكاماً تحمي البنية الأساسية للمياه وتتيح الإصلاح والصيانة.

وينبغي أن تمتد الحماية الأكبر أيضًا إلى موظفي مرافق المياه، الذين يجب الاعتراف بهم باعتبارهم جهات فاعلة مدنية أساسية لا غنى عنها في الحفاظ على إمكانية الوصول إلى المياه. وعلى المستوى المؤسسي، هناك حاجة إلى تحسين التنسيق الدولي لتطوير آليات الإنذار المبكر والاستجابة السريعة، بدعم من المراقبة عبر الأقمار الصناعية والتحقق المستقل، للكشف عن التهديدات وتقييم الأضرار التي تلحق بشبكات المياه في الوقت الحقيقي. وأخيرا، من الضروري اتخاذ تدابير مساءلة أقوى، بما في ذلك العقوبات المستهدفة وآليات التحقيق الموسعة، لردع الهجمات المتعمدة وضمان الامتثال للقانون الإنساني الدولي.

صورة مميزة: نينارا / فليكر.