عندما تحدث دونالد ترامب عن “مشروع الحرية” لإعادة فتح مضيق هرمز، كان من المفترض أن تكون الخطة بمثابة استعراض للردع الأمريكي المستعاد: عملية تهدف إلى إثبات أن واشنطن لا تزال قادرة على فتح شريان الطاقة العالمي بأسطولها العسكري وشبكتها من القواعد الإقليمية. ومع ذلك فإن التوقف السريع للمشروع، بعد معارضة السعودية الأولية لاستخدام قواعدها ومجالها الجوي، يحمل معنى أعمق. ولم يكن هذا مجرد خلاف عملي.
لقد أظهر “مشروع الحرية” أن النظام الأمني في الخليج الفارسي دخل مرحلة جديدة: فالدول العربية لم تدير ظهرها لأميركا، ولكنها لم تعد مستعدة، دون حسابات، للعمل كمنصة انطلاق لحرب واشنطن ضد إيران.
وقد أصبحت أهمية هذا التحول أكثر وضوحاً مع الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران. ولم يكن هذا الإطار، الذي من المتوقع أن يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف الضغط على سوق الطاقة، وبدء فترة ستين يوما للمفاوضات النووية، مجرد نتاج للضغط العسكري. وكان ذلك أيضًا نتيجة للقيود التي واجهتها أمريكا في ساحة المعركة الإقليمية. ومن الممكن أن ترسل واشنطن المزيد من السفن الحربية، لكنها لا تستطيع التأكد من أن جميع شركائها العرب سيقفون معها في كل سيناريو تصعيد.
لعقود من الزمن، كانت العلاقة بين واشنطن والحكومات العربية في الخليج العربي تعتمد على صيغة بسيطة: النفط، والقواعد، والمواءمة السياسية في مقابل الأمن. لقد وفرت الدول العربية إمكانية الوصول والمواءمة؛ وفي المقابل، كانوا يتوقعون الحماية. لكن هجمات 2019 على أرامكو أحدثت أول صدع خطير في تلك العقلية. وتوقعت الرياض رداً حاسماً، لكن رد فعل أميركا ظل محدوداً. ومنذ تلك اللحظة، بدأ يتشكل سؤال صعب: هل ستدخل أميركا حقاً في لحظة الخطر في حرب مكلفة للدفاع عن حلفائها؟
إقرأ أيضاً: الأمين العام لحزب الله: المقاومة أحبطت مشروع إسرائيل الكبرى ونزع السلاح لن يمر
أثارت أزمة هرمز هذا السؤال من جديد، ولكن هذه المرة بقدر أكبر من الإلحاح. تدرك الدول العربية في الخليج الفارسي أن أي مشاركة علنية في عملية عسكرية أمريكية ضد إيران يمكن أن تحولها إلى أهداف مباشرة للهجمات الصاروخية أو الطائرات بدون طيار أو الهجمات البحرية. فمصافيهم وموانئهم ومدنهم الساحلية معرضة للخطر، في حين يتم اتخاذ قرار الحرب في واشنطن. ومن وجهة نظر الرياض والكويت، فإن الخطر لا يقتصر على إيران فحسب؛ فالخطر يكمن في الوقوع في فخ حرب صممها آخرون، في حين تقع تكاليفها الجغرافية والاقتصادية على الخليج العربي.
ولهذا السبب، لا ينبغي لنا أن ننظر إلى المعارضة الأولية لـ “مشروع الحرية” باعتبارها قطيعة سعودية أو كويتية مع أميركا. ولم تكن “لا” أيديولوجية؛ لقد كانت “لا” مشروطة ومحسوبة. ولم تقل الرياض والكويت أنهما لن تتعاونا بعد الآن مع الولايات المتحدة. وقالوا إنهم غير مستعدين لتحويل أراضيهم إلى جزء من مسرح العمليات دون ضمانات واضحة بشأن عواقب الحرب. حتى في وقت لاحق تقارير تفيد بأن المملكة العربية السعودية والكويت خففتا القيود المفروضة على وصول القوات الأمريكية لم يمحو القضية الأساسية. لم تكن أهمية الحادثة هي أن القيود كانت دائمة؛ كان الأمر أنه تم فرض مثل هذه القيود على الإطلاق.
ويرى البعض أنه بسبب تخفيف القيود في وقت لاحق، لم يحدث أي تغيير هيكلي. هذه الحجة ترى جزءا من الواقع، لكنها تفتقد المعنى السياسي للتردد. وفي السياسة الإقليمية، فإن التوقف في حد ذاته مهم.
وإذا كانت الخطة التي كان من المفترض أن تظهر السلطة الأمريكية أصبحت، منذ البداية، مرهونة بموافقة الرياض والكويت، فهذا يعني أن القوة العسكرية الأمريكية وحدها لم تعد كافية لإنتاج الطاعة السياسية. وهذه هي على وجه التحديد النقطة التي يظل عندها الاعتماد الاستراتيجي قائما، ولكن الامتثال التلقائي يبدأ في التآكل.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن التحولات الداخلية في السعودية أيضاً. المملكة العربية السعودية اليوم ليست المملكة العربية السعودية في السنوات الأولى من حرب اليمن. يحتاج محمد بن سلمان إلى الاستقرار من أجل جذب الاستثمار وتوسيع السياحة وتقليل الاعتماد على النفط. إن “رؤية 2030” تبدو منطقية في ضوء صورة البلد الآمن، وليس في مشهد ساحة المعركة حيث يتم تبادل الصواريخ والطائرات بدون طيار. كما أظهرت التحليلات الأخيرة لعواقب حرب هرمز أن الأزمة جعلت الضعف الاستراتيجي الذي تعاني منه المملكة العربية السعودية ــ وحاجتها إلى طرق طاقة أكثر أماناً ــ أكثر وضوحاً.
إقرأ أيضاً: المبعوث الأمريكي يقول: بدون إسرائيل لن تكون هناك أمريكا
ومن هذا المنظور، فإن خفض التصعيد مع إيران ليس علامة ضعف؛ إنه جزء من عقلانية جديدة للبقاء. اتفاق طهران-الرياض بوساطة صينيةوالجهد المبذول للحفاظ على قنوات الاتصال مع طهران، يمكن فهمه ضمن هذا الإطار نفسه.
والدول العربية تعرف أن إيران ليست جارة يمكن محوها. يمكنهم التنافس مع طهران، لكنهم لا يستطيعون تغيير الجغرافيا. تستطيع أميركا أن تغير أولوياتها؛ ومع ذلك، يجب على الخليج الفارسي أن يتعايش مع عواقب كل حرب في تلك المنطقة نفسها.
لقد جعلت سياسة ترامب هذا الواقع أكثر وضوحا. فمن ناحية، تحدث بلغة التهديد والعقوبات واستعراض القوة؛ ومن ناحية أخرى، حاول تجنب حرب شاملة، حرب قد تعرض سوق الطاقة، والانتخابات، وتركيز أميركا على الصين للخطر. وكانت نتيجة هذا التناقض نقل المخاطر إلى الحلفاء. شعرت الدول العربية أن واشنطن تريد استخدام أراضيها للضغط على إيران، دون تقديم ضمانة واضحة بأنها ستتحمل التكاليف الباهظة للدفاع عنها. وهنا تبدأ الثقة الأمنية بالتآكل من الداخل.
كما أن الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران لم ينه هذه المشكلة؛ بل كشفته بشكل مختلف. وإذا أبقت هذه الاتفاقية مضيق هرمز مفتوحاً على أساس دائم، فسوف تتنفس الحكومات العربية الصعداء. تقارير عن ناقلات النفط التي تحمل ويعد مرور الخام الإيراني مرة أخرى عبر طريق الحصار البحري الأمريكي علامة على انخفاض التوترات. لكن إذا فشلت المفاوضات وعاد ترامب إلى الخيار العسكري، فسيعود السؤال نفسه: هل يجب أن يكون الخليج الفارسي الساحة الرئيسية للانتقام الإيراني؟
لم يكن “مشروع الحرية” إذن مجرد خطة لمرافقة السفن عبر هرمز. لقد كان ذلك بمثابة اختبار للنظام الأمني في الخليج الفارسي. ولقد أظهر ذلك الاختبار أن أميركا تظل القوة العسكرية المتفوقة في المنطقة، ولكنها لم يعد بوسعها الاعتماد على التعاون غير المشروط من جانب شركائها العرب. ولا يزال الحلفاء العرب بحاجة إلى المظلة الأمنية التي توفرها واشنطن، لكنهم يريدون مسافة بين أمنهم ومغامرات أميركا المكلفة.
ولا يشهد الشرق الأوسط اليوم انسحاباً أميركياً كاملاً. إنها تشهد نهاية العادة السياسية. وكانت العادة القديمة أنه كلما قررت واشنطن تصعيد الضغوط على إيران، اصطفت خلفها دول الخليج العربية دون تردد. والآن أصبحوا حذرين للغاية، وضعفاء للغاية، بحيث لا يمكنهم اتخاذ مثل هذا القرار باستخفاف.
هذه هي الرسالة الرئيسية لـ “مشروع الحرية”: لا يزال حلفاء أميركا العرب يقولون “نعم” لواشنطن، ولكن “نعم” لم تعد تلقائية، أو رخيصة، أو غير مشروطة.
رأي: لماذا يتطلب الصراع الإيراني استراتيجية جديدة في العالم العربي؟
الآراء الواردة في هذا المقال مملوكة للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لميدل إيست مونيتور.





/https://i.s3.glbimg.com/v1/AUTH_bc8228b6673f488aa253bbcb03c80ec5/internal_photos/bs/2026/o/j/yfI5sPSZKrY8N7azwSfg/2026-06-13t220840z-1890597602-up1em6d1pifat-rtrmadp-3-soccer-worldcup-bra-mar.jpg)
