استيقظت تحت الركام، محاطًا بالظلام والغبار والخرسانة المنهارة، وصراخ ابني ناصر البالغ من العمر ست سنوات وهو يبكي بشكل هيستيري فوق الأنقاض، محاولًا الوصول إلى أصابعي المدفونة.
في تلك اللحظات، اعتقدت أنني سأموت.
ما لم أكن أعرفه بعد هو أن جزءًا مني قد مات بالفعل.
عندما خرجت، اكتشفت أن طفلي رايان البالغ من العمر 51 يومًا قد تم انتشاله ميتًا بعد أن أمضى أكثر من ساعة محاصرًا تحت الأنقاض. لقد ولد طفلاً أثناء “وقف إطلاق النار” المؤقت في الحرب. لقد منحته الحياة الإذن لفترة وجيزة برؤية العالم قبل أن تأخذه بعيدًا على الفور تقريبًا.
كان جسده صغيرًا جدًا لدرجة أنني لففته بجزء من ملابسي، خوفًا من أن يشعر بالبرد.
قيل لي أن ابني يامان، البالغ من العمر سبع سنوات، أصيب بجروح طفيفة فقط وتم نقله إلى المستشفى. لكن الحقيقة هي أن ابني الصغير مات قبل أن يصل إليه. لقد أعادوه إليّ ميتًا، بعد لحظات فقط من توديع رايان.
في ذلك اليوم الشتوي من شهر يناير/كانون الثاني 2024، على مشارف مدينة غزة، تحطم عالمي كله.
مثل عدد لا يحصى من الأمهات في غزة، كنت أخشى الجوع على أطفالي. كنت أخشى التهجير والإرهاب وانقطاع التعليم. لكن رغم كل شيء، لم أجرؤ قط على التفكير في الموت.
لم تتح لريان الفرصة أبدًا للنمو والاستمتاع بطفولته. وحُرم من فرصة الركض واللعب والضحك مع إخوته.
ومن ناحية أخرى، أظهر لنا يامان إمكاناته المذهلة.
أطلقنا عليه لقب “الفيلسوف الصغير” بسبب الطريقة التي يتحدث بها اللغة العربية الفصحى بطلاقة مذهلة ويقضي ساعات في مشاهدة الأفلام الوثائقية عن الفضاء والحياة البرية والمحيطات والنباتات. كان يحب الكتب بشدة، ويحفظ قصص الأنبياء، والتحق بمركز لتحفيظ القرآن الكريم قبل وقت قصير من الحرب. وحتى أثناء القصف والنزوح، واصلنا تلاوة الأبيات معًا.

لقد كان طفلاً حساسًا للغاية. كان يرفض أكل اللحوم لأنه كان يحب الحيوانات كثيراً ولا يستطيع أن يفهم سبب إيذاءها وقتلها.
بعد أن دُمر منزلنا جزئيًا في بداية الحرب، أتذكر أنني شعرت بالدمار. جاء يامان ليطمئنني بالثقة التي لا يملكها إلا الأطفال، وقال: “ماما لا تحزني”. بعد الحرب، سأبني لك منزلاً أكبر وأجمل
في غزة، لا تقتصر الإبادة الجماعية على القتل الجماعي للأطفال. إنه يمحو الإمكانات البشرية، ويدمر المستقبل المشرق. إنها تأخذ العالم الذي كان بإمكانه اكتشاف علاج لمرض مميت، والكاتب الذي كان بإمكانه تأليف كتاب حائز على جوائز، والمهندس الذي كان بإمكانه ابتكار اختراع جديد لمساعدة البشرية، والابن الذي كان بإمكانه أن يبني لأمه منزلاً كبيراً وجميلاً.
ولعل ما هو أقسى من الموت نفسه هو كيف أصبحت الخسارة عادية في غزة. بالنسبة لبقية العالم، كان رايان ويامان مجرد مدخلين أضيفا إلى إحصائية 21 ألف طفل فلسطيني تم ذبحهم. لقد كانوا بلا اسم ولا وجه بالنسبة للعالم، لقد كانوا كل شيء بالنسبة لنا.
أصبح ابني ناصر، الطفل الوحيد بعد أن فقد شقيقيه. مازلت أذكره وهو يسحب كفن يمان الأبيض ويبكي ويرفض السماح لهم بأخذ أخيه بعيدًا. ومنذ ذلك اليوم لم يعد كما كان. يقضي ساعات طويلة محدقاً بصمت في صور يامان على الهاتف المحمول، وكأنه يحاول أن يفهم كيف يمكن لطفل أن يختفي فجأة.
هذه الحرب لا تترك سوى الجثث تحت الأنقاض. ويترك الناجين مدفونين تحت الأنقاض النفسية التي تسحق أرواحهم يوما بعد يوم.
اليوم هو اليوم العالمي للطفل، وهو يوم مخصص لحقوق الطفل ورفاهيته. بالنسبة لي، إنه يوم للتأمل في فشل العالم في حماية أطفالي.
هذا عالم به ثلاثة “أيام للأطفال” أخرى: اليوم العالمي للطفل، واليوم الدولي للطفل الصبي، واليوم الدولي للطفلة. لديها اتفاقية حقوق الطفل. لديها قوانين وطنية ودولية تحمي الأطفال. ولديها وكالة خاصة تابعة للأمم المتحدة مخصصة للأطفال، وهي اليونيسف. لديها عدد لا يحصى من المنظمات المخصصة لحماية الأطفال وإطعامهم وتعليمهم وتوفير الرعاية الصحية لهم، وما إلى ذلك.
لماذا كل هذه الأيام الخاصة والمنظمات والقوانين عندما لا تفعل شيئا لوقف مذابح الأطفال؟
تم أخذ ريان ويامن مني في يناير/كانون الثاني 2024. واضطرت آلاف الأمهات الفلسطينيات الأخريات إلى دفن أطفالهن منذ ذلك الحين. لقد أصبح هناك “وقف لإطلاق النار” الآن، وما زال الأطفال يُقتلون بشكل شبه يومي في غزة.
لماذا أصبحت صور الأطفال الملفوفين بأكفان بيضاء أمراً طبيعياً بسهولة؟ لماذا شهد العالم هذا الحجم من المذبحة ولم ينهار أخلاقيا تحت وطأتها؟
ربما لأن العالم أصبح معتاداً على رؤية الأطفال الفلسطينيين كأرقام، وليس كبشر. ربما لأن عقوداً من التجريد من الإنسانية قد أثمرت أخيراً.
ولكن وراء كل رقم، هناك حب الأم الأبدي.
خلف كل رقم أم لا تزال تتذكر صوت طفلها، والأطعمة التي رفض تناولها، والأحلام التي تحدث عنها، والتفاصيل الصغيرة التي لم تمنحه الحياة الوقت الكافي للاستمتاع بها.
ها أنا ذا: الأم التي لا تزال تتذكر صرخة طفلها ريان الناعمة وصوت يمان البالغ من العمر سبع سنوات.
ريان ويامان ليسا أرقاما. إنهم أطفالي الذين فشل العالم في حمايتهم.






