وتشهد سوريا محاولات من قبل سلطات الحكومة المؤقتة لفرض إعادة تسمية المدارس في الحسكة وحمص وحماة والساحل السوري ومناطق سورية متفرقة أخرى، إلى جانب استمرار الإصرار على إزالة اللغة الكردية من اللوحات الإرشادية في المؤسسات العامة، كما رأينا في قصر العدل في مدينة الحسكة.
ويرى سكان المنطقة أن هذه الإجراءات لا تبدو مجرد خطوات إدارية تتعلق بتحديث المظهر أو توحيد التصاميم، بل تحمل أبعاداً رمزية مرتبطة بمفهوم الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي في سوريا.
العلامات الرسمية ليست مجرد أدوات لتحديد الأماكن؛ كما أنها تعبر عن طبيعة إدارة الدولة لهذا الفضاء العام وتشير إلى المجموعات التي ترى أنها ممثلة ومعترف بها داخل مؤسساتها.
من هذا المنطلق، أثارت خطوة فرض أسماء المدارس واستبدال العلامة ثنائية اللغة (العربية والكردية) في الحسكة بأخرى تحتوي على اللغتين العربية والإنجليزية، ولاحقاً بعلامة عربية فقط، رفضاً شعبياً. واعتبر المتظاهرون ذلك مؤشرا على تراجع الاعتراف بالخصوصية الثقافية للمنطقة.
وتتعارض هذه الخطوة مع الأجواء السياسية التي من المفترض أن تعززها التفاهمات الأخيرة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة، ولا سيما بنود اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026. وأكد ذلك الاتفاق على احترام خصوصية شمال وشرق سوريا، وضمان حقوق مكوناته، والتعامل مع التنوع كجزء من هوية وطنية موحدة، بالإضافة إلى تعزيز المشاركة المحلية وتجنب فرض قرارات تمس المجتمع دون توافق.
وبناءً على ذلك، فإن تجاهل اللغة الكردية على اللافتات الرسمية ومحاولة فرض أسماء على المدارس التي تحمل بالفعل أسماء أفراد محليين ماتوا وهم يدافعون عن المنطقة ضد النظام البعثي وداعش وتركيا، قد يضعف الثقة في المسار التوافقي فيما يتعلق بالوضع الخاص للمنطقة. ومن الممكن أيضاً أن يحيي مخاوف قديمة تتعلق بإعادة إنتاج سياسات الإقصاء الرمزي، ولو بأشكال غير معلنة.
كما أن مضمون المرسوم التشريعي رقم 13 الذي أصدره الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، والذي ينص بشكل أساسي على مبادئ المساواة بين المواطنين وعدم التمييز وضمان الحقوق العامة لجميع السوريين، يفترض أن يكون بمثابة مرجع يؤكد شمولية الدولة وعدم انحيازها لمكون على آخر.
ومع ذلك، فإن ممارسات مثل قصر الإشارات الرسمية على لغة واحدة أو استبعاد لغة محلية شائعة في منطقة معينة، قد تُفهم على أنها لا تتفق مع روح هذا المرسوم ومع هدفه المعلن المتمثل في بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية.
ولا تنعكس المساواة في النصوص القانونية فحسب، بل تنعكس أيضاً في السياسات اليومية والرموز الرسمية التي تؤثر بشكل مباشر على شعور المجتمعات المحلية بالانتماء.
على المستوى العالمي، يوصف هذا النوع من التدابير بأنه “تمييز رمزي” وأحد أكثر أشكال الاستبعاد حساسية لأنه لا يتخذ شكل قرار صريح بحظر لغة ما أو تجريم استخدامها. بل يظهر من خلال استبعاد اللغة من الفضاءات العامة وواجهات المؤسسات السيادية، مما يخلق الانطباع بأن الاعتراف باللغة يبقى مشروطا أو قابلا للإلغاء.
في حالة الحسكة، حيث يشكل الأكراد جزءًا كبيرًا وأغلبيًا من النسيج الاجتماعي، فإن أي تراجع عن استخدام لغتهم في المؤسسات الرسمية يُنظر إليه على أنه رسالة سياسية أكثر من كونه إجراءً رسميًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة قضائية من المفترض أن تعكس مبادئ العدالة والحياد والمساواة.
ومع استمرار مثل هذه الإجراءات، يؤكد خبراء قانونيون ومراقبون للشأن العام السوري، أن ذلك قد يترك آثاراً سلبية على مستقبل الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد. إن بناء الثقة خلال الفترة الانتقالية يتطلب ترجمة التفاهمات السياسية والمرجعيات القانونية إلى خطوات ملموسة تعكس احترام التنوع.
إن التعامل مع التعددية اللغوية كجزء من هوية سوريا الجديدة يمكن أن يعزز مفهوم الدولة الشاملة، في حين أن تجاهلها قد يعمق مشاعر التهميش ويضعف فرص بناء عقد اجتماعي مستقر، خاصة في المناطق ذات التاريخ الطويل من الحساسية تجاه سياسات التعريب أو الإقصاء الثقافي.
ورغم أن اتفاق 29 كانون الثاني/يناير والمرسوم رقم 13 يُنظر إليهما على أنهما خطوات نحو دولة أكثر شمولا، فإن نجاحهما يظل مرتبطا بمدى انسجام السياسات الميدانية مع روحهما وتجنب القرارات التي يمكن تفسيرها على أنها تراجع عن مبادئ المساواة والتعددية التي من المفترض أن تتمسك بها المرحلة الجديدة.
أمثلة على حوادث مماثلة وتأثيرها على مستقبل البلدان
هناك العديد من الأمثلة في بلدان أخرى شهدت توترات أو احتجاجات بسبب إزالة أو تهميش اللغات المحلية على اللافتات الرسمية. وكانت العواقب في كثير من الأحيان سياسية واجتماعية لأن مثل هذه التصرفات كانت تُفهم على أنها إشارات للإقصاء الرمزي.
ديك رومى
وفي تركيا، شملت الحوادث المتكررة إزالة أو حظر اللافتات الكردية ثنائية اللغة في البلديات ذات الأغلبية الكردية، خاصة بعد أن حل الأمناء المعينون من قبل الحكومة محل رؤساء البلديات المنتخبين. وعمقت هذه الإجراءات مشاعر الأكراد بأن الاعتراف كان سطحياً ومؤقتاً، وأصبح إحدى القضايا التي تغذي التوتر السياسي وتضعف الثقة بين الدولة والمجتمع الكردي، وبالتالي تزيد من حدة الاستقطاب.
إسبانيا (كاتالونيا ومنطقة الباسك)
أصبحت اللغة قضية مركزية في الصراعات بين الحكومة المركزية والسلطات الإقليمية. أي محاولة للحد من وجود الكاتالونية أو الباسكية في المؤسسات أو المدارس أو اللافتات قوبلت بحساسية شديدة وسرعان ما تحولت إلى قضية سياسية واسعة لأنه كان يُنظر إليها على أنها هجوم على الهوية.
ومع تراكم الخلافات، ساهمت القضايا المحيطة باللغة والرموز الرسمية في تعزيز الميول الانفصالية في كتالونيا، مما أدى في النهاية إلى أزمة سياسية كبيرة في عام 2017.
بلجيكا
في بلجيكا، لعبت اللغة دورًا مركزيًا في الانقسامات بين الفلمنكيين (الناطقين بالهولندية) والوالونيين (الناطقين بالفرنسية). وصلت الخلافات حول اللافتات والإدارة والخدمات العامة إلى مستويات تسببت في أزمات حكومية متكررة، وفي بعض الأحيان فترات طويلة دون وجود حكومة مستقرة.
تظهر التجربة البلجيكية أن تجاهل التوازن اللغوي يمكن أن يؤثر ليس فقط على الاحتجاجات المحلية، بل أيضًا على استقرار الدولة بأكملها.
كندا (كيبيك)
في كندا، أدت النزاعات المتعلقة بوضع الفرنسيين على العلامات التجارية والرسمية إلى مواجهات سياسية وقانونية مطولة وإلى تشريعات صارمة لحماية الفرنسيين.
على الرغم من أن كندا دولة مستقرة، إلا أن القضايا اللغوية ظلت من بين العوامل الرئيسية التي تحرك الحركة الانفصالية في كيبيك. تم إجراء استفتاءين حول الاستقلال، مما يوضح كيف يمكن أن تتطور اللغة من قضية ثقافية إلى تهديد سياسي لوحدة الدولة.
تشير هذه الأمثلة إلى أن العلامات والرموز واللغة ليست تفاصيل ثانوية ولكنها جزء من سياسة الاعتراف. فعندما يتم تهميش لغة أحد المكونات الأصلية في الفضاء العام، تكون النتيجة في كثير من الأحيان زيادة التوتر، وضعف الثقة في المؤسسات، وتحول القضية إلى عامل سياسي طويل الأمد قد يهدد الإجماع الوطني. ولهذا السبب، يرتبط التعامل مع قضايا اللغة في سوريا بالاستقرار وبناء الدولة أكثر من مجرد الشكليات.
الضمانات الدستورية والقانونية
ويؤكد خبراء قانونيون أن غياب نص دستوري واضح يضمن التعددية اللغوية، قد يفسر جزئياً لجوء بعض السلطات في سوريا إلى مثل هذه الإجراءات. وعندما لا تكون الهيئات التنفيذية مقيدة بأحكام دستورية صريحة، فإنها تصبح قادرة على التعامل مع اللغة باعتبارها “تفصيلا إداريا” يخضع للمزاج السياسي أو التغييرات في الحكومة.
في الحالة السورية، طالما أن اللغة الكردية (واللغات الأخرى المكونة لها) غير مضمونة رسمياً في الدستور أو القانون الملزم، فإن الاعتراف بها يظل عرضة للتراجع في أي لحظة، حتى لو كانت اللغة مستخدمة عملياً على أرض الواقع لسنوات.
ويرى آخرون أنه لا بد من الإشارة إلى نقطة مهمة: حتى لو لم تذكر لغة في الدستور، فإن ذلك لا يجعل إزالتها عملاً طبيعياً أو محايداً. ويتم الحكم على الدول الحديثة أيضًا من خلال سلوكها العملي تجاه المواطنين. إن استبعاد لغة مجتمع بأكمله من اللافتات الرسمية لا يُفسر على أنه مجرد قضية “لغة رسمية”، بل كرسالة سياسية حول حدود الاعتراف، خاصة في المناطق المتعددة الأعراق مثل الحسكة.
ويتفق الجانبان على أن ضمان الوجود الدائم للغة الكردية (أو أي لغة محلية أخرى) على اللافتات وفي المؤسسات لا يمكن تحقيقه من خلال الشعارات وحدها، بل من خلال آليات قانونية وإدارية واضحة، وأهمها:
1. النص الدستوري
إن أفضل ضمان على المدى الطويل هو تضمين مادة دستورية صريحة تؤكد أن سوريا دولة متعددة الأعراق والثقافات، وأن اللغات المكونة لها يتم احترامها واستخدامها في الأماكن العامة ضمن مناطق انتشارها، مع تحديد آليات التنفيذ.
2. قانون اللغة أو قانون الإدارة المحلية الملزم
وحتى قبل اعتماد الدستور، من الممكن إصدار قانون يفرض استخدام الإشارات ثنائية اللغة أو ثلاثية اللغة في المقاطعات المتنوعة لغوياً. يجب أن يحدد القانون:
متى يتم استخدام اللغة المحلية؟
في أي مؤسسات؟
ما هي الجهة المسؤولة عن التنفيذ؟
ما هي العقوبات أو التدابير المطبقة في حالات المخالفة؟
3. القرارات التنفيذية الدائمة والتعليمات الوزارية
يمكن للحكومة أن تصدر تعميماً رسمياً إلى الوزارات (العدل، الداخلية، الإدارة المحلية، إلخ) يطلب من العلامات المؤسسية في الحسكة وغيرها من المناطق ذات الأغلبية الكردية أن تتضمن لغتين على الأقل وفقاً للواقع الديموغرافي، مما يضمن عدم بقاء الأمر خاضعاً للتقدير المحلي أو القرارات الأمنية.
4. ربط القضية بمبادئ عدم التمييز
وأي نص قانوني أو مرسوم مثل المرسوم رقم 13 الذي يناقش المساواة يجب أن يترجم عمليا إلى حقوق لغوية. ولا تتعلق المساواة بالوظائف والحقوق السياسية فحسب، بل تتعلق أيضًا بالرموز العامة، بما في ذلك اللغة في المؤسسات.
5. هيئة رقابية أو لجنة مستقلة للتنوع الثقافي
إن وجود هيئة أو مجلس رسمي متخصص في التعددية الثقافية واللغوية من شأنه أن يساعد في منع التراجع ويوفر للمجتمع آلية قانونية لتقديم الشكاوى الرسمية كلما تمت إزالة أي لغة.
6. اعتماد مبدأ “اللغة حسب الجغرافيا”.
وهذا يعني أن اللغة العربية تظل لغة الدولة العامة، بينما في مناطق مثل الحسكة وقامشلو وعفرين وكوباني وغيرها، تصبح اللغة الكردية لغة معترف بها رسميًا في الإشارات والخدمات وفقًا للواقع المحلي. وهذا النموذج مطبق في كثير من الدول ولا يهدد وحدة الدولة بل يعززها.
أمثلة لدول تطبق مبدأ “اللغة حسب الجغرافيا”.
تحتفظ العديد من البلدان بواحدة أو أكثر من لغات الدولة الرسمية مع الاعتراف أيضًا باللغات الإقليمية أو المحلية المستخدمة في اللافتات والخدمات والإدارة المحلية في مناطق محددة.
تشمل الأمثلة البارزة ما يلي:
سويسرا: أربع لغات رسمية (الألمانية، الفرنسية، الإيطالية، الرومانشية)، تستخدم حسب الكانتونات.
بلجيكا: ثلاث لغات رسمية (الهولندية، الفرنسية، الألمانية)، تطبق إقليمياً.
إسبانيا: الإسبانية هي لغة الدولة الرسمية، بينما يتم الاعتراف رسميًا بالكتالونية والباسكية والجاليكية في مناطقهم.
الهند: الهندية والإنجليزية على المستوى الفيدرالي، مع وجود العشرات من اللغات المحلية المعترف بها في الولايات وتستخدم في الإدارة والتعليم.
كندا: اللغتان الإنجليزية والفرنسية هما اللغتان الرسميتان، وتطبق الفرنسية على نطاق واسع في كيبيك.
جنوب أفريقيا: إحدى عشرة لغة رسمية تستخدم حسب المناطق والمؤسسات.
العراق: اللغتان العربية والكردية هما اللغتان الرسميتان للدولة، وتستخدم اللغة الكردية على نطاق واسع في إقليم كردستان في التعليم والإدارة واللافتات.
ووفقاً للأمثلة الملحوظة والتجارب الدولية المماثلة والقوانين الدولية المعمول بها، فإن غياب الضمانات الدستورية يجعل الاعتراف باللغة هشاً وقابلاً للإلغاء. النوايا السياسية وحدها غير كافية؛ فلا بد من نصوص قانونية واضحة وآليات تنفيذ ومحاسبة، حتى يصبح وجود اللغة على اللافتات وفي المؤسسات حقاً دائماً وليس قراراً مؤقتاً.
آنها





