Home عربي المدونات: التفاني الطبي والإلهام العربي في الحي اليهودي في براغ

المدونات: التفاني الطبي والإلهام العربي في الحي اليهودي في براغ

271
0

براغ ــ تعكس قصة المستشفى اليهودي بالقرب من الكنيس الإسباني في براغ تقاطعاً فريداً بين الهندسة المعمارية والثقافة والقدرة على الصمود. يقع الكنيس ومباني المستشفى القريبة منه في الحي اليهودي التاريخي، ويمثلان معاً أكثر من مجرد مؤسسات متجاورة، بل يجسدان تاريخاً مشتركاً من الرعاية المجتمعية، والحياة الروحية، والتبادل الثقافي. والارتباط بينهما ليس جغرافياً فحسب، بل رمزياً أيضاً، ويكشف كيف تتشابك التقاليد اليهودية، وعلم الجمال المعماري، والظروف التاريخية في قلب براغ. كباحث في شؤون الأسرة الطب والصحة العامة، ألهمني اهتمامي المستمر بربط الطب بالتجربة الإنسانية الأوسع لاستكشاف هذا التقاطع الفريد بين الشفاء والثقافة والتاريخ والتفكير فيه.

يحظى الكنيس الإسباني، الذي تم الانتهاء منه في عام 1868، بإعجاب واسع النطاق لتصميمه المذهل المستوحى من الهندسة المعمارية المغاربية، وهو أسلوب مستمد بشكل كبير من التقاليد الفنية والمعمارية للعالم الإسلامي. تم تزيين الجزء الداخلي منه بأرابيسك متقن وأنماط مذهبة وزخارف هندسية معقدة، وهي عناصر مرتبطة بقوة بالعمارة الإسلامية. تعكس هذه الأشكال الزخرفية اللغة البصرية التي تطورت في إسبانيا الإسلامية في العصور الوسطى، خاصة خلال فترة الأندلس، عندما تفاعلت الثقافات اليهودية والمسيحية والإسلامية وأثرت على بعضها البعض لتعيش في سلام.

يوضح التصميم الداخلي الغني للكنيس المليء بالزخارف الملونة والتناسق الأنيق كيف تبنت المجتمعات اليهودية في أوروبا أحيانًا التقاليد الفنية الإسلامية للتعبير عن هويتها الخاصة. وبدلاً من تقليد ثقافة أخرى، كان استخدام التصميم المغربي يرمز إلى الذاكرة التاريخية للتعايش بين اليهود والمسيحيين والمسلمين في إسبانيا. وبالتالي تصبح الهندسة المعمارية جسراً بصرياً يربط التراث اليهودي بالتقاليد الفنية والملهمة الإسلامية الأوسع.

على بعد خطوات فقط من هذا الكنيس الرائع، كانت توجد مباني تخدم غرضًا لا يقل أهمية، وهو توفير الرعاية الطبية للمجتمع اليهودي في براغ. تم إنشاء المستشفى اليهودي في الشارع المعروف باسم يو ستاري سكولي (في المدرسة القديمة) خلال فترة من المشقة الشديدة. بعد الاحتلال النازي لتشيكوسلوفاكيا في عام 1939، تم إخراج الأطباء اليهود من المستشفيات العامة، وتم استبعاد المرضى اليهود تدريجيًا من نظام الرعاية الصحية في المدينة. ردًا على ذلك، نظم الأطباء اليهود خدماتهم الطبية المرتجلة، وقاموا في النهاية بتحويل المباني السكنية القريبة إلى مستشفى في عام 1940.

على الرغم من الموارد المحدودة للغاية، قام المستشفى بتطوير العديد من الأقسام، بما في ذلك الجراحة والطب الباطني والأمراض الجلدية والأعصاب والطب النفسي وأمراض النساء وجراحة العظام. كما تم إنشاء مختبر صغير ومنشأة للأشعة السينية، مما سمح للمستشفى بالعمل كمركز طبي شامل بشكل مدهش في ظل ظروف صعبة.

أصبح المستشفى أيضًا مساحة تعليمية. تم طرد العديد من الطلاب اليهود من الجامعات خلال الاحتلال النازي، وأتاح لهم المستشفى فرصة مواصلة تدريبهم الطبي. تم تنظيم المحاضرات والاستشارات والتعليمات العملية من قبل أطباء ذوي خبرة، مما أدى إلى تحويل المستشفى بشكل فعال إلى كلية طبية غير رسمية.

تكشف العلاقة بين المستشفى والكنيس عن الطبيعة المترابطة للحياة المجتمعية اليهودية. لم تكن المعابد اليهودية تقليديًا بمثابة أماكن للصلاة فحسب، بل أيضًا كمراكز للتعليم والأعمال الخيرية وتنظيم المجتمع. ويعكس المستشفى القريب نفس قيم التعاطف والمسؤولية المجتمعية. وبهذا المعنى، شكل الكنيس والمستشفى معًا شبكة دعم، أحدهما يرعى الحياة الروحية والهوية الثقافية، والآخر يحمي الصحة البدنية.

هناك أيضًا تشابه ثقافي أعمق بين الطراز المعماري للكنيس والمهمة الإنسانية للمستشفى. وكلاهما يوضح الروابط القديمة بين الحضارتين اليهودية والإسلامية. تاريخيًا، ازدهرت المجتمعات اليهودية غالبًا في المناطق الخاضعة للحكم الإسلامي، حيث كان التبادل الفكري في مجالات مثل الطب والفلسفة والعلوم أمرًا شائعًا. وبالتالي فإن تصميم الكنيس المستوحى من الطراز المغربي يعترف بهدوء بالتراث المشترك للمنح الدراسية والتعبير الفني بين الثقافتين.

في القرن التاسع عشر، كان العديد من اليهود الأشكناز ذوي التوجهات الإصلاحية ينظرون بإعجاب خاص إلى الإنجازات الفكرية والثقافية لليهودية السفاردية في إسبانيا في العصور الوسطى. في حين أن المجتمع الأشكناز التقليدي ركز منذ فترة طويلة على الدراسة الدينية فوق التعليم العلماني، فإن عصر التنوير اليهودي (الحسكلة) شجع التعليم الأوسع والاندماج في المجتمع الأوروبي. بالنسبة لهذه المجتمعات الحديثة، لم يرمز الطراز الإسلامي للمعبد اليهودي إلى الإلهام الفني من العمارة الإسلامية فحسب، بل أيضًا إلى الذاكرة التاريخية للثقافة اليهودية التي ازدهرت ذات يوم في الحوار مع الحضارات المحيطة.

وينعكس هذا الحوار الثقافي في تصميم الكنيس. تؤكد أنماط الأرابيسك والتماثل الهندسي النموذجي للفن الإسلامي على الانسجام والاستمرارية، وهي مفاهيم لها صدى قوي مع الرمزية الروحية اليهودية أيضًا. وكما أن هذه التصاميم تتشابك الأشكال المتكررة في نمط موحد، فإن مؤسسات الكنيس والمستشفى ربطت بين الرعاية الروحية والشفاء الجسدي.

ولكن خلال الحرب العالمية الثانية، واجه هذا المجتمع المترابط اضطرابًا مدمرًا. تكثفت عمليات الترحيل من براغ بين عامي 1941 و1943، وتم نقل العديد من أطباء المستشفى والممرضات والمرضى إلى الأحياء اليهودية ومعسكرات الاعتقال. مع تناقص عدد السكان اليهود في المدينة، استمر المستشفى في العمل بشكل مصغر، مدعومًا بتفاني الطاقم الطبي المتبقي الذي عمل تحت تهديد مستمر.

ومع ذلك، حتى في تلك السنوات المظلمة، ظل المستشفى رمزًا للتضامن والصمود. إن قربها من الكنيس الإسباني، وهو تذكير معماري بالتعايش الثقافي ــ يضيف بعدا قويا إلى قصتها. وتمثل هذه المباني المتجاورة مجتمعة صمود المجتمع الذي حافظ على تقاليده في التعلم، والإحسان، والرعاية المتبادلة حتى في ظل الاضطهاد.

اليوم، يعمل الكنيس الإسباني كجزء من المتحف اليهودي في براغ، ويحافظ على تاريخ الحياة اليهودية في المدينة. تستمر ذكرى المستشفى اليهودي القريب في تسليط الضوء على كيفية تضافر الهندسة المعمارية والثقافة والالتزام الإنساني في هذا الحي التاريخي في براغ.

إن الجمال العربي للكنيس وتراث الرحمة في المستشفى يحكي قصة أوسع، قصة التبادل الثقافي بين التقاليد اليهودية والإسلامية، ومجتمع تعمل مؤسساته الروحية والطبية جنبًا إلى جنب للحفاظ على الحياة والكرامة في الأوقات الصعبة.

الدكتور ألكسندر وودمان هو أستاذ طب الأسرة والصحة العامة، وهو معروف على نطاق واسع بأعماله البحثية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تركز أبحاثه الأساسية على تطوير الصحة الإنجابية العالمية والتعليم الطبي ومنهجيات البحث السريري والدبلوماسية الصحية. يركز عمله على المحددات الجينية والسلوكية والمواقفية التي تؤثر على صحة ورفاهية المراهقين في الشرق الأوسط. إلى جانب أبحاثه في الطب الوقائي، يكتب ألكسندر عن الأماكن الثقافية والتاريخية، ويشارك رؤى حول التراث الغني والتقاليد التي يواجهها. وهو عضو هيئة التدريس الصيفي في جامعة ييل في نيو هيفن، كونيتيكت.