القاهرة – في شهادة تاريخية نادرة، توقف الكاتب والمفكر الكبير عباس محمود العقاد، الذي عرف بأنه نادراً ما يمدح معاصريه، ليشيد بالمساهمة الفكرية الاستثنائية لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وركز على الدور المحوري الذي لعبه الحسين في إعادة فتح أبواب الفكر العربي أمام التراث الإنساني، مسلطاً الضوء بشكل خاص على جهوده في نقل التراث اليوناني وتحليله.
جسر ثقافي بين الحضارتين العربية واليونانية
واعتبر العقاد أن طه حسين تمكن بمهارة من بناء جسر متين بين الثقافتين العربية واليونانية. وقد بُني هذا الجسر على دراساته الأكاديمية العميقة، وترجماته الدقيقة، وتحليلاته الرصينة للأدب والفلسفة اليونانية. مما أتاح للقارئ العربي فرصة استثنائية لاستكشاف الجوانب التنويرية للفكر الإنساني الكلاسيكي من خلال عيون عربية واعية أدركت أهمية التفاعل الثقافي.
إحياء البحث العقلاني بعيدا عن التقليد
وأوضح مؤلف «البقريات» أن هذا الجسر تجاوز مجرد النقل الحرفي للنصوص أو الترجمة السطحية للأعمال. ومثلت محاولة جادة لإحياء روح البحث العقلاني والنقد العلمي المتأصلة في الحضارة اليونانية، التي وجدت طريقها فيما بعد إلى الحضارة العربية الإسلامية خلال عصورها الذهبية. وأكد العقاد أن مشروع طه حسين لم يكن دعوة لتقليد الغرب أو استنساخ الثقافة الأوروبية. بل نابع من إيمان عميق بقدرة الثقافة العربية على التفاعل بشكل حيوي مع الحضارات الأخرى واستيعاب إنجازاتها دون المساس بهويتها الفريدة وتميزها.
جامعة السوربون وتأسيس مشروع الانفتاح المعرفي
وقد استلهم طه حسين رؤيته التنويرية من دراسته في جامعة السوربون في فرنسا، حيث تشبع بالمنهجيات النقدية الحديثة. وعاد عميد الأدب العربي إلى مصر حاملاً راية مشروع فكري رائد يدعو بقوة إلى الانفتاح على المعرفة الإنسانية الشاملة. وقد تجلى هذا النهج بوضوح في أعماله البارزة مثل “في الشعر الجاهلي” و”مستقبل الثقافة في مصر”، إلى جانب جهوده الحثيثة لتقديم الأدب والفكر اليوناني للقارئ العربي بأسلوب نقدي وعلمي متين.
رؤى متقاطعة رغم اختلاف الفكر
وعلى الرغم من الاختلافات الفكرية والمعارك الأدبية التي جمعت العقاد وطه حسين في مختلف القضايا الحاسمة، إلا أن العقاد لم يتردد في الاعتراف بالمكانة الثقافية المرموقة لعميد الأدب العربي. واعترف بأن مشروع طه حسين يشكل رافداً أساسياً في توسيع آفاق الثقافة العربية وربطها بمنابع الفكر العالمي، ليبقى بذلك اسماً خالداً وأحد أبرز رموز النهضة الفكرية في القرن العشرين.



