عندما يكون لدى بلد ما الكثير من المال والقليل من الوقت، فإن الحل الأسرع عادة ما يكون دفتر شيكات مفتوح. على مدار العقد الماضي، اتبعت المملكة العربية السعودية هذا المنطق حرفيًا تقريبًا: شراء نجوم كرة القدم بالمليارات، وإطلاق بطولات دوري الجولف التي هزت عالم الرياضة، ومحاولة بناء مدن مستقبلية في وسط الصحراء. لكن السينما مسألة أخرى. إنها صناعة مبنية على العاطفة والتوقيت والغريزة الإبداعية، وقد أظهر فيلم “محارب الصحراء” أنه حتى جبال الأموال النقدية لا يمكن أن تضمن النجاح.
الفيلم، الذي كان من المفترض أن يكون بمثابة بطاقة الدعوة الثقافية الجديدة للمملكة، أصبح بدلاً من ذلك واحدًا من أغلى الأفلام الفاشلة في السينما الحديثة: إنتاج بقيمة 150 مليون دولار اختفى ببساطة في الرمال.
قصة “محارب الصحراء” ليست مجرد قصة عن السينما السيئة. إنها أيضًا لمحة عما يحدث عندما يحاول النظام المركزي هندسة الثقافة من الأعلى إلى الأسفل. وصلت الدراما التاريخية الأكشن، التي تدور أحداثها في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع، إلى دور السينما بعد محنة استمرت خمس سنوات. كان الفيلم من بطولة أنتوني ماكي، الذي اشتهر اليوم بدور كابتن أمريكا الجديد، والفائز بجائزة الأوسكار بن كينجسلي، ووصفته صحيفة ديلي تلغراف البريطانية بأنه الرد السعودي على “لورنس العرب”. وكان الهدف واضحا: أن نظهر للعالم أن المملكة العربية السعودية لم تعد مجرد مصدر للنفط، بل أصبحت قوة محتوى عالمية.
رؤية 2030: شراء الطريق إلى التقدم
لفهم حجم المقامرة، يتعين على المرء أن ينظر إلى السياق الأوسع. الفيلم من إنتاج استوديوهات MBC، الذراع الإنتاجي لأكبر مجموعة إذاعية في الشرق الأوسط، والتي تسيطر عليها الحكومة السعودية. وهو جزء من الرؤية السعودية 2030، وهي خطة واسعة النطاق لولي العهد الأمير محمد بن سلمان لإبعاد اقتصاد المملكة عن اعتماده على النفط.
وبموجب هذه الرؤية، قامت المملكة العربية السعودية بالفعل بضخ المليارات في LIV Golf، وهي البطولة المنفصلة التي تم إنشاؤها كمنافس شرس لمؤسسة الجولف الأمريكية المحترفة. كما أطلقت مهرجان الرياض للكوميديا في عام 2025، حيث جلبت نجومًا مثل ديف تشابيل وكيفن هارت بتكلفة كبيرة في محاولة لتحسين صورة المملكة فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحرية التعبير. كان من المفترض أن يكون فيلم “محارب الصحراء” جوهرة التاج السينمائي، وواجهة عرض لمدينة نيوم المستقبلية، حيث تم بناء استوديوهات عملاقة خصيصًا للمشروع.
إنتاج في عين العاصفة
ولكن تبين أن هوليوود لا تحب كثيراً أن يملي عليها حكام مستبدون، حتى المستنيرون الذين يدعون أنفسهم، إيقاعها. وقع فيلم “محارب الصحراء” فيما تسميه الصناعة جحيم الإنتاج. تمت إزالة المخرج البريطاني روبرت وايت، من فيلم “Rise of the Planet of the Apes”، من المشروع أثناء مرحلة المونتاج بعد اشتباكات مع استوديوهات MBC. ووفقا لتقارير في فارايتي، أراد السعوديون فيلم حركة سريع ومباشر، بينما كان وايت يحاول صنع ملحمة تاريخية معقدة مدتها ساعتين ونصف الساعة. وتم إعادته لاحقًا في محاولة لإنقاذ ما تبقى.
حاول الفيلم أيضًا أن يكون في كلا الاتجاهين: سرد قصة عربية أصيلة ظاهريًا من خلال عيون هوليود لا لبس فيها. تدور أحداث الفيلم حول الأميرة هند، التي تلعب دورها عائشة هارت، التي ترفض أن تصبح محظية للإمبراطور الفارسي خسرو، الذي يلعب دوره كينغسلي، وتقود تمردًا ضده. أ نيويورك تايمز أشارت المراجعة إلى أن الفيلم بدا وكأنه يحاول شكلاً من أشكال الدبلوماسية غير المباشرة بشأن حقوق المرأة في المملكة العربية السعودية، لكنه بدا في النهاية وكأنه فيلم آخر من أفلام هوليوود كبيرة الميزانية تم تصويره في المملكة.
الجغرافيا السياسية للفشل
ولم يكن من الممكن أن يكون توقيت الإصدار أسوأ من ذلك. قال أحد مراقبي الصناعة لموقع Deadline: “الجمهور ليس لديه شهية لمشاهدة فيلم عن الحرب في الصحراء بينما تدور حرب حقيقية في الشرق الأوسط”. إن الحرب في غزة والتوترات العسكرية مع إيران جعلت فرضية الفيلم، التي يقاتل فيها العرب الفرس، مشحونة للغاية. وبحلول يونيو/حزيران 2025، عندما ضربت الولايات المتحدة المنشآت النووية في إيران، كان الموزعون الدوليون ينظرون إلى الفيلم على أنه سام بالفعل بسبب القلق من الاضطرابات.
ومن جانبها، هاجمت إيران الفيلم ووصفته بأنه “تحريف تاريخي” يهدف إلى خدمة المصالح السعودية ضد طهران. في النهاية، لم يكن أي استوديو كبير على استعداد للمس هذا الأمر. ذهب التوزيع بدلاً من ذلك إلى Vertical Entertainment، وهي شركة مستقلة صغيرة تشتهر بالأفلام التي تنتقل مباشرة إلى البث المباشر والفيديو حسب الطلب. وكانت النتيجة افتتاحًا مهينًا بأقل من نصف مليون دولار على أكثر من 1000 شاشة في الولايات المتحدة، وهو من بين أسوأ العروض التي تم تسجيلها على الإطلاق لإصدار بهذا الحجم.
الرأي العام: “إعلان تجاري لمدة ساعتين”
وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، كان النقاد بلا رحمة. وقد لخص المعلق السينمائي دان موريل ما يعتقده الكثيرون حول التجربة السعودية: فالمشكلة، كما قال، هي أن المملكة العربية السعودية كانت تحاول تقليد هوليوود في أسوأ لحظاتها. لقد قامت المملكة ببناء استوديوهات مثيرة للإعجاب، لكنها نسيت أن الجمهور لا يريد مشاهدة إعلان مدته ساعتين عن صناعة السينما السعودية. وأضاف موريل أن نتيجة الفيلم الكارثية على موقع Rotten Tomatoes، والتي حصلت على حوالي 29 بالمائة من النقاد، أظهرت أنه كان مملاً ببساطة، وهي أسوأ خطيئة يمكن أن يرتكبها فيلم أكشن.

حتى في المنزل، انهار الفيلم. وفي المملكة العربية السعودية، حقق الفيلم 87 ألف دولار فقط في عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية واحتل المركز الثامن فقط في شباك التذاكر. لقد تبين أن الجمهور السعودي يفضل الأفلام المحلية الأصيلة أو أفلام مارفل الفعلية على المحاولة المصطنعة لخلق “هوليوود محلية” بالقوة.
هل تم تعلم الدرس؟
وحاول فريق الإنتاج إظهار التفاؤل، معتبراً أن مبلغ الـ 150 مليون دولار لم يتم إنفاقه على الفيلم فحسب، بل أيضاً على بناء البنية التحتية. لكن بالنسبة لمحمد بن سلمان، يعتبر الفشل علامة تحذير. يمكن للمال شراء الممثلين والاستوديوهات والدعاية. فهو لا يستطيع أن يشتري الصلة، ولا يستطيع أن يشتري مودة الجمهور

وبالنسبة للإسرائيليين، فإن هذه القصة بمثابة تذكير بأن جاراً إقليمياً يعيش في منتصف تحول عميق يكاد يكون يائساً. السعودية مستعدة لإنفاق مبالغ طائلة لدخول أسرة الدول الغربية، لكن الطريق مليء بالأفخاخ. قد يتم تذكر فيلم “محارب الصحراء” باعتباره فصلاً غريباً في التاريخ السعودي: اللحظة التي اكتشفت فيها المملكة أنه على الرغم من أن الصحراء قد تكون غنية بالنفط، فإن إنشاء هوليوود هناك بين عشية وضحاها هو شيء مختلف تمامًا.




